تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية لحظة سياسية بالغة الحساسية بعد أن قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق إصدار التأشيرات لحاملي جوازات السفر الفلسطينية، بما في ذلك الرئيس محمود عباس والوفد المرافق له الذي كان يعتزم المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الشهر. القرار الأميركي، الذي لم تبرره واشنطن بشكل رسمي، جاء متزامناً مع توقعات باعتراف عدد من الدول الحليفة للولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الأمم المتحدة، وهو ما تعارضه إدارة ترمب بشدة.
تقويض حلم الدولة الفلسطينية
أمام هذا التصعيد، كثفت القيادة الفلسطينية مشاوراتها الداخلية ومع دول المنطقة والعواصم الغربية المؤثرة، في محاولة لثني واشنطن عن قرارها، مؤكدة أن أي تفاهمات لن تكون على حساب الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية. ووفق مصادر فلسطينية مطلعة، فإن الخيار الأول للسلطة يتمثل في السعي لتفاهم مع الأميركيين، غير أن خيارات أخرى مطروحة في حال فشل هذه المساعي، بينها الدعوة إلى نقل اجتماعات الجمعية العامة إلى جنيف كما جرى مع الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1988، أو المضي في عقد الاجتماعات في نيويورك مع غياب عباس، وهو ما قد يشكل ضغطاً وإحراجاً أكبر للإدارة الأميركية.
التقديرات الفلسطينية ترى أن القرار الأميركي ليس معزولاً، بل يتكامل مع خطوات إسرائيلية مرتقبة، تشمل فرض السيادة على أجزاء من الضفة الغربية، وتنفيذ مشروع “E1” الذي يقسم الضفة إلى شطرين، وإخلاء منطقة الخان الأحمر، فضلاً عن مصادرة أموال السلطة وتعزيز مشروع “إمارة الخليل”. وتعتبر السلطة أن هذه الإجراءات مجتمعة تستهدف إضعافها وتقويض حلم الدولة الفلسطينية، عبر تفكيك المجتمع إلى جزر معزولة.
انهيار السلطة
وتتجاوز القيود الأميركية الجديدة مسألة السياسة والدبلوماسية، إذ تمتد آثارها إلى مجالات إنسانية كالعلاج الطبي، والدراسة الجامعية، وزيارات العائلات، ورحلات العمل. وبموجب برقية صادرة عن الخارجية الأميركية في 18 أغسطس الماضي، فإن منح التأشيرات لفلسطينيي الضفة الغربية والشتات أصبح متوقفاً، بعد قرار مماثل يخص نحو مليوني فلسطيني من غزة.
في رام الله، تظاهر فلسطينيون أمام مكتب الأمم المتحدة مطالبين بوقف “حرب التجويع في غزة”، في مشهد يعكس حالة الغضب الشعبي من السياسات الأميركية والإسرائيلية على حد سواء. مصادر في السلطة لم تُخفِ خشيتها من أن يؤدي هذا الحصار السياسي والاقتصادي إلى انهيار السلطة نفسها، متسائلة: “إذا كانت دول كبرى تنهار تحت الضغوط، فكيف يمكن لسلطة محاصرة أن تصمد؟”.
بهذا المشهد، تبدو السلطة أمام خيارات صعبة: إما محاولة امتصاص الضغوط الأميركية وتفادي التصعيد، أو المضي قدماً في تدويل القضية الفلسطينية، مستندة إلى الزخم المتزايد للاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، حتى لو كلّفها ذلك مواجهة مباشرة مع إدارة ترمب وإسرائيل.






