لا يمكن اختزال “ماغا” – شعار حملة دونالد ترامب الشهير “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” – في كونه مجرد عبارة طُبعت على قبعات حمراء أو ترددت في خطابات انتخابية. فالحركة، التي تجاوزت معناها السياسي الظاهري، تحولت إلى منظومة فكرية تحمل نزعة شعبوية، لكنها تبقى – في جوهرها – ملكاً رمزياً لصاحبها، الذي لا يتوانى عن التذكير بأنه هو من ابتكرها، وبالتالي هو من يملك حق تحديد معالمها وتوجيه بوصلتها.
هذه الفرضية لم تكن بحاجة إلى برهان حتى وقعت لحظة التوتر الأخيرة التي دفعت البعض داخل “ترمبلاند” إلى الاعتراض على توجه الإدارة نحو استخدام القاذفات ضد المنشآت الإيرانية. بدا الاعتراض متسقاً مع مبادئ “أميركا أولاً”، لكن ترامب رد بحسم قاطع، قائلاً إن ماغا هي ما يحدده هو، لا ما يتصوره الآخرون عنها. لم تطل موجة التململ داخل أنصاره، وعادت القواعد بسرعة إلى حضن زعيمها، كما يحدث دائماً.
غير أن الأزمة الجديدة التي تواجه “ماغا” تختلف تماماً، وهي تتعلق بشبح جيفري إبستين، رجل الأعمال المدان بقضايا استغلال جنسي لقاصرات، والذي توفي في زنزانته عام 2019 قبل محاكمته. ما يثير القلق في أوساط ترامب هو أن دائرة نظرياته ومؤيديه لم تعد تتقبل بسهولة السردية الرسمية التي تسعى إدارته إلى فرضها حول هذه القضية. فموت إبستين، بالنسبة لكثيرين، ليس حادثاً عرضياً، بل جريمة تم التستر عليها، ربما لحماية أسماء نافذة يعتقد أنها ارتبطت بأنشطته القذرة.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن ترامب نفسه – الذي طالما كان المصدر الأول لنظريات المؤامرة، وأشهرها ادعاؤه أن باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة – أصبح الآن ضحية لتلك الذهنية التي غذّاها لسنوات. يومها، لم تنفع شهادة ميلاد أوباما ولا محاولات البيت الأبيض لنفي الشائعات؛ فبمجرد أن تتسلل فكرة المؤامرة إلى وعي الجماهير، فإنها تستقر كالحشائش البرية التي يصعب اقتلاعها.
هذه الحقيقة يدركها ترامب جيداً، ولذلك تبدو محاولاته الراهنة لاحتواء أزمة إبستين محكومة بالارتباك. فالرئيس الذي بنى إمبراطوريته السياسية على الشك وانعدام الثقة بالمؤسسات، يجد نفسه الآن في موقف المدافع عنها، طالباً من أنصاره تجاهل “نظرية لا أساس لها”، كما عبّرت وزيرة العدل بام بوندي في تصريحاتها، داعية الأميركيين إلى تجاوز الأمر والمضي قدماً.
لكن المشكلة أن بوندي ذاتها سبق أن تعهدت بالكشف عن ملفات ضخمة مرتبطة بإبستين، مدعية أنها تملك ما يُعرف بـ”الدفتر الأسود”، وهو سجل مزعوم يحتوي على أسماء شخصيات نافذة زارت جزيرته التي تحولت إلى مسرح لانتهاكات جنسية بحق قاصرات. وفي تصريح لها عبر “فوكس نيوز”، قالت إنها تراجع حالياً تلك الوثائق بتوجيه مباشر من ترامب. غير أن غياب الأفعال بعد هذه الوعود ساهم في تأجيج الشكوك، لا العكس.
في نظر كثيرين من أنصار ترامب، ليس موت إبستين سوى عملية اغتيال مُدبرة، نفذتها أطراف متنفذة تخشى أن تُفضح أسماؤها في قاعات المحاكم. وهذا الاعتقاد لم ينشأ من فراغ، بل تغذيه تصريحات شخصيات بارزة في محيط الرئيس، مثل نجله دونالد جونيور ونائب الرئيس جي دي فانس، اللذين أعادا تكرار الأساطير حول التصفية الممنهجة التي طالت الرجل قبل أن يتكلم.
بهذا المعنى، تبدو ماغا اليوم في مواجهة مع ذاتها. فالحركة التي كانت وفية لزعيمها حتى في أكثر اللحظات إثارة للجدل، تجد نفسها الآن حائرة أمام لغز لم تفلح السلطة في تبديده. وربما تكون المفارقة الأكبر أن التهديد الأخطر لهيبة ترامب لم يأت من خصومه الديمقراطيين أو من الإعلام الليبرالي، بل من جثة رجل مات قبل ست سنوات، لكنه ما يزال قادراً على زلزلة أساسات المشروع السياسي الأكثر ضجيجاً في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر.







