في خضم حرب دخلت شهرها السابع، طرحت إيران مبادرة دبلوماسية غير مسبوقة تربط إعادة فتح مضيق هرمز باستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، محددة إطاراً زمنياً لا يتجاوز سبعة أيام. لكن المبادرة اصطدمت سريعاً بموقف أمريكي رافض، بعدما أفادت وول ستريت جورنال بأن الرئيس دونالد ترامب رفض المقترح، قبل أن يؤكد ترامب بنفسه لاحقاً أنه رفض «الصفقة».
وتضع التطورات واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم مجدداً في قلب المواجهة الأمريكية الإيرانية، في وقت تحاول فيه الوساطات الإقليمية والدولية اختبار إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات.
خطة إيرانية تبدأ من هرمز وتنتهي بالمفاوضات
قدمت طهران، عبر وساطة قطرية، خطة تقول إنها قادرة على إعادة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز خلال أسبوع، بالتوازي مع وقف الأعمال القتالية واستئناف المحادثات بشأن الملف النووي الإيراني. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أوضح أن العد التنازلي للأيام السبعة لن يبدأ إلا بعد موافقة واشنطن رسمياً على الخطة.
وبحسب التفاصيل التي نقلتها مصادر إعلامية، تتضمن المبادرة خطوات أمريكية مقابلة، بينها رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وتخفيف العقوبات التي تعيق صادرات النفط الإيرانية، إلى جانب وقف لإطلاق النار يشمل الجبهة اللبنانية. وفي المقابل، تلتزم طهران بإعادة فتح المضيق واستئناف المفاوضات النووية.
وقال عراقجي إن الخطوات الأولية ستحتاج إلى نحو أربعة أو خمسة أيام، على أن يصبح المضيق مفتوحاً في اليوم السادس، بينما تبدأ المحادثات الأمريكية الإيرانية في اليوم السابع بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملفات العالقة.
بيزشكيان: الخطة نسقت مع القيادة الإيرانية
وفي مقابلة مع شبكة CBS، قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إن طهران مستعدة للالتزام بما تتعهد به إذا وافقت الولايات المتحدة على المقترح، مؤكداً أن الخطة جرى بحثها على مستوى القيادة الإيرانية.
وأشار إلى أن فريقاً من ستة أعضاء يضم ممثلين عن مؤسسات حكومية وأمنية وبرلمانية شارك في عملية التشاور وصنع القرار بشأن المفاوضات. كما أكد استعداد إيران للسماح بعودة مفتشي الأمم المتحدة إلى البلاد ضمن ترتيبات يتم الاتفاق عليها خلال المفاوضات.
لكن حديث بيزشكيان عكس في الوقت نفسه حجم الهوة السياسية بين الطرفين. فالرئيس الإيراني قال إن «أجواء من انعدام الثقة» ترسخت بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى تجارب سابقة يرى الجانب الإيراني أن الولايات المتحدة لم تلتزم خلالها بتعهداتها.
ترامب يرفض الخطة
في الجانب الأمريكي، لم تنتظر المسألة طويلاً حتى تتضح ملامح الرد. فقد ذكرت وول ستريت جورنال أن ترامب رفض المقترح الإيراني، وقالت إن الرئيس الأمريكي أبلغ مساعديه بأنه يتوقع احتمال استئناف حملة القصف بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.
ثم أكد ترامب، السبت، أنه رفض بالفعل الاتفاق المقترح، فيما طالب إيران بفتح مضيق هرمز فوراً. ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن لا ترى في الخطة الإيرانية، بصيغتها الحالية، أساساً كافياً لتسوية الصراع.
وكان ترامب قد أشار في وقت سابق إلى أنه لا يتوقع بالضرورة التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل انتخابات نوفمبر، بينما واصلت الإدارة الأمريكية الضغط الاقتصادي والعسكري على طهران.
«مضيق ترامب» يدخل المشهد
وفي مؤشر على استمرار التوتر السياسي، نشر ترامب خريطة لمضيق هرمز عبر منصته «تروث سوشيال» تحمل تسمية «مضيق ترامب».
وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبح فيه المضيق نفسه أحد أبرز أوراق القوة في الحرب. فالممر البحري، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، يمثل شرياناً أساسياً لحركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره ينعكس مباشرة على أسواق النفط والنقل والتجارة الدولية.
وكانت الأسواق قد استجابت بالفعل لإشارات الانفراج الدبلوماسي خلال الأسبوع، مع تراجع أسعار النفط بعد تقارير عن استعداد إيران لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا اتخذت واشنطن خطوات مقابلة.
سبعة أيام تختصر سبعة أشهر من الحرب
المفارقة الأساسية في المبادرة الإيرانية أن طهران تقترح حلاً سريعاً لمشكلة أصبحت جزءاً من صراع أوسع بكثير.
فالحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط أدت إلى تعطيل حركة الطاقة عبر المنطقة، وألحقت أضراراً بالاقتصاد الإيراني، ووسعت رقعة المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية متعددة. وفي المقابل، ظلت قضية البرنامج النووي الإيراني واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في أي تفاوض محتمل بين واشنطن وطهران.
وكانت محاولات سابقة لوقف القتال قد انهارت، بينها اتفاق هدنة لمدة 60 يوماً كان يفترض أن يتيح للطرفين استئناف المفاوضات بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
هرمز يتحول إلى اختبار للدبلوماسية
بالنسبة إلى إيران، لا يتعلق الأمر بالملاحة وحدها. فإعادة فتح المضيق مرتبطة في المقترح برفع الضغوط العسكرية والاقتصادية وعودة المفاوضات النووية.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن قبول الخطة بصيغتها الحالية يعني الدخول في مسار تفاوضي يتضمن تنازلات أمريكية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو ما يبدو أن إدارة ترامب لا تقبله في هذه المرحلة. وتبقى تفاصيل الموقف الأمريكي النهائي مرتبطة بما إذا كان الرفض الحالي يعني رفض المبادرة بالكامل أم رفض شروطها الحالية.
وكانت إيران قد سلمت مقترحها إلى الجانب الأمريكي عبر وسطاء قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يعني أن المبادرة لم تظهر بصورة مفاجئة في الساعات الأخيرة، بل جاءت نتيجة اتصالات دبلوماسية استمرت خلال الأيام السابقة.
الكرة الآن في الملعب الأمريكي
تقول طهران إن الخطوات اللازمة لإعادة فتح المضيق جاهزة، وإنها تنتظر فقط قرار واشنطن لبدء العد التنازلي للأيام السبعة.
لكن رفض ترامب للمقترح يجعل المسار أكثر تعقيداً. فبدلاً من أن يتحول مضيق هرمز إلى بوابة لخفض التصعيد، بات مرة أخرى نقطة اختبار للقدرة على انتزاع تنازلات متبادلة بين طرفين تراكمت بينهما سنوات من انعدام الثقة.
وفي الوقت الذي تصر فيه إيران على أن الطريق إلى فتح المضيق يمر عبر اتفاق متبادل، تطالب واشنطن بفتح الممر أولاً. وبين الشرطين، يبقى مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط في الصراع، وأحد أكثر المؤشرات حساسية على الاتجاه الذي ستسلكه الحرب خلال المرحلة المقبلة.






