شهدت أوكرانيا ليلة دامية مع تنفيذ روسيا أكبر هجوم جوي منذ اندلاع الحرب عام 2022. فقد أطلقت موسكو 810 طائرات مسيّرة، تمكنت الدفاعات الأوكرانية من إسقاط 747 منها، إضافة إلى 13 صاروخاً اعترضت القوات أربعة فقط. ورغم نجاح جزء من الدفاعات الجوية، خلّف الهجوم خمسة قتلى وأضراراً مباشرة في مقر الحكومة وسط كييف، ما يكرّس واقع التصعيد الروسي ويعيد طرح أسئلة حول قدرة أوكرانيا على الصمود أمام موجات الهجمات المركّبة.
ترمب يصعّد بلغة العقوبات
بعد ساعات من الغارات الروسية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لفرض عقوبات جديدة على موسكو، من دون أن يكشف عن تفاصيلها. ورغم غياب الخطة المعلنة، حمل تصريح ترمب رسائل واضحة بأن واشنطن لن تترك التصعيد الروسي يمرّ من دون ردّ. اللافت أن الرئيس الأميركي ركّز على مسألة النفط الروسي، ملوّحاً بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الدول التي تواصل شراءه، في إشارة مباشرة إلى الهند وبعض دول الاتحاد الأوروبي.
الضغوط الاقتصادية كأداة استراتيجية
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أعاد بدوره تسليط الضوء على الورقة الاقتصادية، مؤكداً أن بلاده مستعدة لممارسة “مزيد من الضغوط” على روسيا. وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن فرض عقوبات إضافية ورسوم ثانوية على الدول المستوردة للنفط الروسي كفيل بإحداث انهيار شامل في الاقتصاد الروسي، ما سيدفع الرئيس فلاديمير بوتين – وفق تقديره – إلى الجلوس على طاولة المفاوضات.
هذه الرؤية تكشف إصرار واشنطن على استخدام الأدوات الاقتصادية لإضعاف موسكو، في وقت بدأت فيه فعلياً تداعيات العقوبات السابقة بالظهور على القطاعات الحيوية الروسية، لكنها لم تبلغ بعد مستوى الانهيار الذي تراهن عليه الإدارة الأميركية.
الموقف الأوروبي بين ضغوط واشنطن وحسابات المصالح
التوتر الأميركي – الأوروبي يظل حاضراً في خلفية هذا المشهد. فقد سبق للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كشف أن ترمب غير راضٍ عن استمرار بعض الدول الأوروبية في شراء النفط الروسي. ويعكس ذلك معضلة حقيقية داخل الاتحاد الأوروبي: فمن جهة، تسعى بروكسل إلى إظهار وحدة الصف خلف أوكرانيا، ومن جهة أخرى لا تزال بعض العواصم تجد صعوبة في التخلي عن مصادر الطاقة الروسية بالكامل، لما لها من انعكاسات اقتصادية مباشرة على مجتمعاتها.
رسائل موسكو وحسابات المستقبل
اختيار موسكو شنّ هجوم جوي بهذا الحجم يعبّر عن استراتيجية مزدوجة: من جهة إظهار قدرتها على الاستنزاف العسكري وإرباك الدفاعات الأوكرانية، ومن جهة أخرى اختبار حدود ردّ الفعل الأميركي والغربي. أما واشنطن، فتعتمد خطاب العقوبات كسلاح ردع غير عسكري، لكن نجاح هذا النهج يبقى مشروطاً بمدى التزام الشركاء الأوروبيين والهند والصين، الذين يشكلون متنفساً أساسياً للاقتصاد الروسي.
مواجهة شاملة
تتداخل في هذه التطورات ثلاثة مسارات أساسية: التصعيد العسكري الروسي الذي يعكس إصرار الكرملين على الحسم الميداني، التلويح الأميركي بعقوبات أشد لتقويض قدرة موسكو على تمويل الحرب، وأخيراً الموقف الأوروبي المتأرجح بين ضغوط الحليف الأميركي ومتطلبات الأمن الطاقوي.
في المحصلة، يبدو أن المعركة لم تعد محصورة في ساحات القتال الأوكرانية، بل انتقلت لتصبح مواجهة شاملة بين الاقتصاد والسياسة والطاقة، حيث يحاول كل طرف استنزاف الآخر بأدوات مختلفة، وسط غموض يخيّم على أفق التسوية أو المفاوضات.






