أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن العمليات المتعلقة بإيران ستنتهي «قريبا جدا»، في تصريح يعيد طرح التساؤلات بشأن الجدول الزمني للمواجهة، وحدود الأهداف العسكرية الأمريكية، وما إذا كان انتهاء العمليات سيمهد لمرحلة جديدة من التهدئة في الشرق الأوسط.
وخلال تجمع انتخابي للحزب الجمهوري في ولاية كنتاكي، دافع ترمب عن التحرك العسكري الأمريكي، قائلا إن واشنطن اضطرت إلى التوجه إلى الشرق الأوسط للقضاء على الأسلحة الإيرانية، ومؤكدا أن القوات الأمريكية أنجزت، خلال الفترة التي حددها، المهمة المتعلقة بتدمير القدرات النووية الإيرانية.
وربط الرئيس الأمريكي بين إنهاء العمليات العسكرية وتراجع أسعار البنزين، في إشارة إلى الأبعاد الاقتصادية الداخلية للحرب، التي تتجاوز حساباتها المواجهة العسكرية لتشمل أسواق الطاقة وتكاليف المعيشة، فضلا عن انعكاساتها السياسية داخل الولايات المتحدة.
لكن تصريحاته تترك أسئلة أساسية بلا إجابات واضحة، أبرزها طبيعة العمليات التي ستنتهي، والضمانات التي تعتمد عليها واشنطن لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية، فضلا عن مستقبل التوترات الإقليمية بعد توقف العمليات.
ترمب يتمسك بتحقيق الهدف النووي
أكد ترمب أن الولايات المتحدة وجهت ضربات قوية إلى إيران ودمرت قدراتها النووية، مشددا على أن طهران لا ينبغي أن تمتلك سلاحا نوويا، لأنه قد يُستخدم في حال حصولها عليه.
وتعكس هذه التصريحات تمسك الإدارة الأمريكية بتقديم منع إيران من امتلاك سلاح نووي باعتباره الهدف المركزي للتحرك العسكري، مع محاولة إظهار الضربات باعتبارها حققت النتائج التي سعت إليها واشنطن.
غير أن تأكيد ترمب إنجاز المهمة لا يحسم، في حد ذاته، مسألة القضاء نهائيا على القدرات النووية الإيرانية. فالتقييم المستقل لنتائج الضربات يتطلب معلومات موثوقة بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، ومصير المواد والمعدات الحساسة، ومدى قدرة إيران على استعادة أنشطتها مستقبلا.
ومن هنا، يبرز الفرق بين إعلان تحقيق الهدف العسكري وبين ضمان استدامة نتائجه، وهو ما أشار إليه ترمب نفسه عندما شدد على ضرورة التأكد من عدم عودة القدرات النووية الإيرانية.
ما بعد الضربات.. كيف تمنع واشنطن إعادة بناء البرنامج النووي؟
رغم تأكيده تدمير القدرات النووية الإيرانية، أقر ترمب بأن منع عودتها لا يزال جزءا من العمل الجاري، ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة التالية من التحرك الأمريكي.
فحتى إذا ألحقت الضربات أضرارا كبيرة بالمنشآت النووية، فإن ضمان عدم استئناف البرنامج يتطلب، بحسب طبيعة الوضع على الأرض، وسائل تتجاوز القوة العسكرية وحدها، بما في ذلك التحقق من الأضرار، ومراقبة الأنشطة النووية، والتوصل إلى ترتيبات سياسية أو رقابية قابلة للتنفيذ.
وتكمن المعضلة في أن العمليات العسكرية قد تعطل القدرات المستهدفة، لكنها لا تقدم بالضرورة ضمانة دائمة تمنع إعادة بنائها. كما أن استمرار الضغط العسكري قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد، إذا لم يصاحبه مسار واضح للتعامل مع الخلافات الأساسية.
ولذلك، فإن إعلان قرب انتهاء العمليات لا يعني بالضرورة أن المواجهة السياسية والأمنية بين واشنطن وطهران تقترب من نهايتها بالسرعة نفسها.
أسعار البنزين.. البعد الداخلي في حسابات ترمب
ربط الرئيس الأمريكي انتهاء العمليات المتعلقة بإيران بانخفاض أسعار البنزين إلى مستويات أدنى، في محاولة لإبراز المكاسب الاقتصادية المحتملة لإنهاء التصعيد.
ويكتسب هذا الربط أهمية في ظل حساسية أسواق الطاقة تجاه التطورات العسكرية في الشرق الأوسط، حيث يمكن للمخاطر التي تهدد إنتاج النفط أو نقله أن تنعكس على الأسعار العالمية، خصوصا إذا امتدت إلى الممرات البحرية الحيوية أو البنية التحتية للطاقة.
لكن انخفاض أسعار البنزين ليس نتيجة مضمونة بمجرد توقف العمليات. فحركة الأسعار تتأثر بعوامل متعددة، تشمل أسعار النفط الخام، وحجم الإمدادات العالمية، والطلب، وتكاليف التكرير والتوزيع، فضلا عن تقييم الأسواق لاحتمالات تجدد المواجهة.
وبالتالي، فإن الرهان الاقتصادي الذي يطرحه ترمب يتوقف على مدى قدرة انتهاء العمليات على خفض المخاطر الجيوسياسية بصورة مستدامة، وليس فقط على توقف الضربات العسكرية.
هل تعني نهاية العمليات اقتراب التهدئة الإقليمية؟
يفتح حديث ترمب عن قرب انتهاء العمليات الباب أمام احتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة مختلفة، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بأن المنطقة تتجه إلى تسوية شاملة.
فإنهاء العمليات قد يمثل خطوة نحو خفض التصعيد، إلا أن مستقبل الأزمة سيظل مرتبطا بمواقف واشنطن وطهران، ومدى التزام الطرفين بمنع تجدد المواجهة، وطبيعة الترتيبات التي قد تحكم الملف النووي الإيراني في المرحلة المقبلة.
كما أن أي تهدئة مستدامة ستحتاج إلى معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة، وتحديد آليات للتحقق من الالتزامات، وتجنب تحوّل الخلافات القائمة إلى مواجهات جديدة.
وفي المقابل، فإن غياب هذه الترتيبات قد يجعل انتهاء العمليات العسكرية مرحلة مؤقتة، لا نهاية نهائية للصراع.
بين إعلان النصر وضمان استمراره
يحاول ترمب، من خلال تصريحاته، الجمع بين تأكيد تحقيق الأهداف العسكرية، والإشارة إلى قرب انتهاء العمليات، والتعهد بمنع إيران من استعادة قدراتها النووية، مع إبراز المكاسب الاقتصادية التي قد تترتب على توقف المواجهة.
لكن هذه الرسائل تضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار يتجاوز نتائج الضربات نفسها: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري المعلن إلى واقع أمني مستقر، من دون الانزلاق إلى مواجهة جديدة؟
وتبقى الإجابة مرتبطة بما ستكشفه المعطيات بشأن الأضرار الفعلية التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، وبما إذا كانت واشنطن ستعتمد على الضغط والردع وحدهما، أم ستسعى إلى صيغة سياسية تضمن مراقبة الأنشطة النووية وتحد من فرص تجدد التصعيد.






