دخلت المواجهة بين أميركا وإيران مرحلة جديدة عنوانها «دبلوماسية الأساطيل»، مع إعلان الولايات المتحدة إرسال حاملة الطائرات النووية USS Gerald R. Ford إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس تصعيداً عسكرياً محسوباً يتزامن مع مسار دبلوماسي هشّ حول الملف النووي الإيراني.
جيرالد فورد تدخل المنطقة
ووفق تقارير أميركية، ستنضم «جيرالد فورد» إلى حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln في المنطقة، ما يعيد مشهد الحشد البحري المزدوج الذي سبق عمليات عسكرية العام الماضي. وتُعد «فورد» أكبر حاملة طائرات في العالم، وتعمل بالطاقة النووية، وقادرة على حمل أكثر من 75 طائرة مقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاعية متقدمة وصواريخ موجهة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تصريحات متشددة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي لوّح مجدداً بإمكانية توجيه ضربات لإيران إذا لم تُفضِ المفاوضات إلى اتفاق مُرضي، معتبراً أن «تغيير النظام قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث».
وفي المقابل، تواصل واشنطن مساعيها لإحياء التفاوض عبر قنوات غير مباشرة، وسط حديث عن لقاءات مرتقبة في جنيف بوساطة عمانية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
تعزيز أوراق الضغط التفاوضي
ويرى مسؤولون أن الحشد البحري الأميركي يهدف إلى تعزيز أوراق الضغط التفاوضي، أكثر مما يعكس قراراً نهائياً بالحرب، خصوصاً أن أي عملية عسكرية واسعة قد تفتح الباب أمام ردود إيرانية تطال قواعد أميركية في الخليج.
طهران: الصواريخ «خط أحمر»
على الجانب الإيراني، حذر أمين مجلس الأمن القومي علي شمخاني من «أي مغامرة عسكرية»، مؤكداً أن المنظومات الصاروخية الإيرانية «خط أحمر وغير قابلة للتفاوض»، لكنه أبدى استعداد بلاده لمسار «واقعي ومتوازن» في حال رُفعت العقوبات.
وتتمسك طهران بحصر أي اتفاق في إطار برنامجها النووي، رافضة ربطه ببرنامج الصواريخ الباليستية أو بنفوذها الإقليمي، وهو ما تصر واشنطن على إدراجه ضمن أي تسوية شاملة.
قلق أممي ومخاوف إقليمية
في السياق ذاته، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي إن التوصل إلى تفاهم بشأن عمليات التفتيش «ممكن لكنه صعب للغاية»، مشيراً إلى استمرار الحوار الفني رغم التعقيدات السياسية.
وتخشى أطراف أوروبية من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى تقويض ما تبقى من آليات الرقابة الدولية، وإعادة الملف الإيراني إلى مربع المواجهة المفتوحة.
وداخلياً، أعلنت الحكومة الإيرانية تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث الاحتجاجات الأخيرة التي شهدت سقوط ضحايا، في خطوة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي، كما أُفرج عن عدد من القيادات الإصلاحية الموقوفة بكفالة، في محاولة لاحتواء الانتقادات والحفاظ على الاستقرار الداخلي في لحظة إقليمية حساسة.
ويرى البعض أن القيادة الإيرانية تسعى إلى الفصل بين التصعيد الخارجي وتهدئة الجبهة الداخلية، لتفادي تزامن الضغوط العسكرية مع اضطرابات سياسية أو اجتماعية.
بين الردع والانفجار
جدير بالذكر أن العلاقات بين واشنطن وطهران شهدت توتراً متصاعداً خلال الأشهر الأخيرة على خلفية تعثر المسار النووي وتبادل الرسائل العسكرية، فبينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى توسيع إطار أي اتفاق محتمل ليشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي لإيران، تتمسك طهران بحصر المفاوضات في الملف النووي ورفع العقوبات، ما أبقى فجوة واسعة بين الطرفين وأعاد أجواء انعدام الثقة إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، لجأت الولايات المتحدة إلى ما يوصف بـ«دبلوماسية الأساطيل»، عبر تعزيز وجودها البحري في الشرق الأوسط، بإرسال حاملة الطائرات النووية USS Gerald R. Ford للانضمام إلى USS Abraham Lincoln، في رسالة ردع واضحة.
ويعكس هذا الحشد البحري رغبة أميركية في الجمع بين الضغط العسكري والمسار التفاوضي، مستفيدة من التفوق البحري كأداة تأثير سياسي دون الانزلاق مباشرة إلى مواجهة شاملة.
أما داخلياً، فتواجه إيران تحديات متشابكة، إذ تزامن التصعيد الخارجي مع احتجاجات وأزمات اقتصادية متراكمة، ما دفع السلطات إلى تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث الأخيرة والإفراج عن بعض الموقوفين في محاولة لاحتواء الاحتقان.
ويضع هذا الواقع القيادة الإيرانية أمام معادلة دقيقة: إدارة التصعيد مع الخارج، ومنع انتقال تداعياته إلى الداخل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.







