في أروقة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ترقد الطفلة جنان المرنخ ذات السبعة أعوام، جسدها الصغير موصول بالأجهزة، وعيناها تلاحقان من حولها بصمت لا يخلو من الأسى. لم تكن جنان تتوقع أن يتحوّل بيتها في جباليا، حيث كانت تلهو وتضحك مع إخوتها، إلى ركام بفعل صاروخ إسرائيلي مزّق الحجارة والأجساد، وأخذ منها القدرة على الحركة.
مأساة الطفلة جنان
قصفٌ مباغت في ليلة خانقة، اختطف النوم من عيني الطفلة للأبد، وأهداها شللاً جزئياً وكسوراً في العمود الفقري، سترافقها ما تبقى من عمرها. لم تستفق جنان على ضوء الشمس، بل على صرخات الإسعاف، وحرقة والدتها وهي تنتشلها من تحت الأنقاض، وسط صراخ الجيران وغبار الموت. نُقلت على عجل إلى المستشفى، لكن سرعان ما اصطدمت رحلة علاجها بواقعٍ مرير: منظومة صحية تقف على حافة الانهيار.
في مستشفى الشفاء، لا يجد الأطباء إلا أدوات متهالكة وإمدادات طبية شارفت على النفاد. المواد الأساسية لإجراء العمليات الجراحية غير متوفرة، والأجهزة التي تحتاجها جنان لإعادة تأهيلها غير موجودة، أما الطاقم الطبي فمثقل بالجرحى، يعمل بلا انقطاع، في بيئة خالية من أدنى شروط السلامة أو التعقيم.
حصار خانق يدمر الحياة
منذ آذار/ مارس الماضي، لم تدخل المساعدات الطبية إلى القطاع، بفعل الحصار الإسرائيلي الخانق وإغلاق المعابر. وبينما يحتاج القطاع الصحي في غزة إلى غرفة إنعاش شاملة، لا يجد المرضى سوى وعود مؤجلة وأبواب موصدة. آلاف الأطفال مثل جنان ينتظرون فرصة للعلاج، لكن الوقت والدواء يخذلانهم، ويحولهم العجز الدولي إلى أرقام جديدة في قوائم الإعاقة أو الوفاة.
جنان اليوم لا تبكي كثيراً، كأن الألم قد تجاوز الدموع. تكتفي بالنظر نحو أمها التي تواسيها بابتسامة مجروحة، وتحاول إقناعها بأن الغد سيكون أفضل. لكن لا غد واضح في أفق غزة، ولا علاج في الأفق القريب. فقط طفلة مشلولة تحلم بأن تمشي من جديد، في مكان لا تصله صواريخ، ولا تُمنع عنه القوافل الطبية، ولا يُعاقَب فيه المرضى على وجودهم.






