تشير دراسات أكاديمية إلى أن الولايات المتحدة الأميركية نادرًا ما عاشت فترات سلام كاملة منذ تأسيسها قبل نحو 250 عامًا، إذ ارتبط تاريخها بسلسلة متواصلة من النزاعات العسكرية داخلية وخارجية، كما أنها الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ضد مدنيين.
ويركّز باحثون على المرحلة الممتدة منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، باعتبارها واحدة من أكثر الفترات دموية في السياسة الخارجية الأميركية. وخلال هذه المرحلة، خاضت الولايات المتحدة حروبًا وتدخلات عسكرية في عدة مناطق، أسفرت – بحسب تقديرات أكاديمية – عن سقوط نحو 4.5 مليون قتيل.
ويستند هذا الرقم إلى أبحاث أعدّتها جامعة براون الأميركية، من خلال مشروعها المعروف باسم «مشروع تكلفة الحرب»، الذي يهدف إلى توثيق الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية والبيئية للتدخلات العسكرية الأميركية. ويعتمد المشروع على قواعد بيانات وتقارير ميدانية ودراسات منشورة.
ووفق تقرير صدر عام 2023، قدّر المشروع عدد ضحايا الحروب التي شنتها الولايات المتحدة منذ 2001 بنحو 4.5 مليون شخص. وخلال العقدين الماضيين، تدخلت واشنطن عسكريًا في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال وسوريا، كما تأثرت مناطق من باكستان بتداعيات الحرب في أفغانستان، إضافة إلى استخدام أسلحة أميركية في نزاعات أخرى، بينها اليمن.
ويشمل هذا الرقم الوفيات المباشرة، الناتجة عن العمليات العسكرية من قصف واشتباكات، إضافة إلى الوفيات غير المباشرة، التي ترتبط بانهيار الأنظمة الصحية، وتعطّل الزراعة والنقل، وتدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب الحروب. ويقدّر المشروع عدد الوفيات المباشرة بأكثر من 900 ألف شخص.
وتختلف هذه التقديرات جزئيًا عن دراسات أخرى، من بينها أبحاث نشرتها مجلة «ذا لانسيت» العلمية، التي قدّرت عدد ضحايا حرب العراق وحدها بنحو 600 ألف قتيل.
أما بقية الضحايا، فيُصنَّفون ضمن الوفيات غير المباشرة، الناتجة عن الفقر، وفقدان مصادر الدخل، وانعدام الأمن الغذائي، وتدمير البنى التحتية والخدمات العامة، ولا سيما أنظمة الرعاية الصحية. ويشير التقرير إلى أن النظام الصحي العراقي، على سبيل المثال، تضرر بشكل واسع بعد الغزو الأميركي.
كما لفت التقرير إلى اعتماد الجيش الأميركي، خلال حرب العراق، ما عُرف بعقيدة «الصدمة والترويع»، القائمة على الاستخدام المكثف والسريع للقوة العسكرية بهدف شلّ قدرة الخصم على المقاومة، وهو نهج بات حاضرًا في عدد من النزاعات غير المتكافئة.
وبحسب الدراسة نفسها، أدت هذه الحروب إلى نزوح نحو 38 مليون شخص، غالبيتهم من الأطفال. ولا تشمل هذه الأرقام خسائر الجنود الأميركيين أو الوفيات اللاحقة المرتبطة بالحروب، مثل حالات الانتحار أو الأمراض المزمنة.
ويخلص التقرير إلى أن الكلفة البشرية للتدخلات العسكرية الأميركية في القرن الحادي والعشرين تُعد من الأعلى عالميًا. ومنذ نشره مطلع عام 2023، واصلت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات عسكرية وعمليات ضغط في عدة مناطق، كما لعبت دورًا رئيسيًا في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عبر تزويدها بالأسلحة والمعدات.
وفي السياق ذاته، تُظهر بيانات الإنفاق العسكري أن الولايات المتحدة تنفق سنويًا ما يقارب تريليون دولار على جيشها، وهو ما يفوق إنفاق الصين بثلاثة أضعاف وروسيا بسبعة أضعاف. كما أُقرّت زيادات إضافية في الميزانية العسكرية خلال السنوات الأخيرة، على حساب بنود إنفاق اجتماعي.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات واسعة في الأوساط الأكاديمية والسياسية حول ازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع استخدام القوة العسكرية، ولماذا لا تُواجَه السياسات الأميركية بالعقوبات أو الإجراءات ذاتها التي تُفرض على دول أخرى في حالات مشابهة.
وفي ظل تصاعد الخطاب الداعي إلى استخدام القوة العسكرية باسم «القيم» و«الدفاع عن النظام الدولي»، يطرح مراقبون سؤالًا مركزيًا: لماذا تحظى الولايات المتحدة، بما في ذلك لدى قطاعات من التيار اليساري الغربي، بمعاملة استثنائية رغم سجلها العسكري الممتد؟






