تُعد بلدة سبسطية بمحافظة نابلس، واحدة من أهم المواقع الأثرية الفلسطينية وأكثرها غنىً وتنوعاً، إذ يمتد تاريخها لأكثر من خمسة آلاف عام، وشهدت تعاقب حضارات متعددة تركت بصماتها المعمارية والثقافية على الموقع.
وخلال السنوات الماضية، نفذت وزارة السياحة والآثار عددا من المشاريع الحيوية التي أسهمت في تطوير البلدة والحفاظ على مكوناتها الأثرية وتعزيز حضورها السياحي والثقافي.
ترشيح سبسطية للإدراج على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر
ونظراً للأهمية الكبرى للموقع وما يتعرض له من استهداف مباشر ومحاولات عزله عن محيطه الفلسطيني، أعدّت وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع ووزارة الخارجية والمغتربين ملف ترشيح سبسطية للإدراج على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة “اليونسكو”، وتم تسليم الملف مطلع شهر نيسان الماضي عبر مندوبية فلسطين لدى المنظمة.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إلى بلدة سبسطية بمحافظة نابلس في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه المواقع التاريخية والأثرية الفلسطينية جراء سياسات الاحتلال الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
وتحمل الزيارة أبعادًا سياسية ووطنية تتجاوز طابعها الرسمي، إذ تعكس تمسك القيادة الفلسطينية بحماية الهوية الوطنية والإرث الحضاري، وتؤكد أن معركة الحفاظ على الأرض لا تنفصل عن معركة الدفاع عن التاريخ والرواية الفلسطينية.
كما تسلط الضوء على الجهود المتواصلة لتثبيت الحضور الفلسطيني في سبسطية، باعتبارها أحد أبرز الشواهد الحضارية في فلسطين، والعمل على تعزيز مكانتها الدولية عبر السعي لإدراجها على قائمة التراث العالمي، بما يوفر لها حماية أكبر ويعزز صمود سكانها في مواجهة محاولات العزل والاستهداف.
توفير حماية دولية للموقع وهويته الفلسطينية
ومن المقرر أن يناقش ملف الترشيح خلال أعمال لجنة التراث العالمي المزمع عقدها خلال الفترة من 19 إلى 29 تموز المقبل في كوريا الجنوبية.
ويُنتظر أن يشكل إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي خطوة مهمة نحو توفير حماية دولية للموقع وهويته الفلسطينية، وتعزيز حضوره على الخارطة الثقافية والسياحية العالمية، واستقطاب مزيد من الاهتمام الدولي والمشاريع التطويرية، بما ينعكس إيجاباً على البلدة وسكانها.
رئيس الوزراء، وجه رسالة من الرئاسة الفلسطينية لأهالي سبسطية، مؤكدًا فيها وقوف القيادة والحكومة إلى جانب أبناء شعبنا في كل أماكن وجودهم، ودعم صمودهم في مواجهة سياسات الاحتلال الهادفة إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني واستهداف وجوده الوطني والتاريخي.
نموذج فلسطيني حي للصمود
سبسطية ليست مجرد موقع أثري، بل نموذج فلسطيني حي للصمود والعمل والبناء والتحدي، ورسالة بأن هذا الشعب متمسك بتاريخه ومستقبله رغم كل التحديات، فضلا عن أن ما يجري لا يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يأتي ضمن محاولات متسارعة لتحويل الاحتلال إلى مشروع تطهير عرقي، مستغلا الظروف والتطورات الجارية، إلا أن هذه المحاولات لن تنجح.
وتابع رئيس الوزراء: “اعتقد الاحتلال أن ما يحدث في غزة سيمنحه فرصة لفرض وقائع جديدة، لكن خاب أمله، فغزة صمدت رغم حجم الدمار والقتل والتجويع والتهجير والمعاناة، كما صمدت القدس، وستصمد سبسطية، وسيبقى شعبنا متمسكا بحقوقه الوطنية والتاريخية”.
وشدد على أهمية حماية الإرث الحضاري والتاريخي الفلسطيني، مؤكداً دعم الحكومة الكامل للجهود الوطنية الرامية إلى تسجيل بلدة سبسطية على قائمة التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، داعياً المؤسسات الوطنية والمجتمع المحلي وأبناء شعبنا إلى دعم هذا المسار، باعتباره خطوة استراتيجية لحماية الموقع من محاولات الاستهداف والعزل والتهويد.
تحركات حكومية لحماية المناطق المستهدفة
دعا رئيس الوزراء أبناء شعبنا في الوطن والشتات إلى زيارة المواقع التاريخية، وفي مقدمتها سبسطية، لما يشكله ذلك من دعم مباشر لصمود الأهالي، وتعزيز حضور الرواية الفلسطينية، والحفاظ على الموروث الثقافي الوطني.
وتخللت الجولة مراسم رفع سارية العلم الفلسطيني وسط البلدة، في مشهد وطني يعكس التمسك بالسيادة والهوية الوطنية، كما تم عرض فيلم تعريفي حول تاريخ البلدة وأهميتها الحضارية، إضافة لزيارة المتحف والمواقع الأثرية فيها.
وفي ختام الجولة، التقى رئيس الوزراء فعاليات البلدة وعددا من رؤساء البلديات والمجالس القروية في محافظة نابلس، واستمع إلى أبرز احتياجاتهم والتحديات التي تواجههم، مؤكدا استمرار الحكومة في تقديم مختلف أشكال الدعم الممكن لتعزيز صمود المواطنين وتطوير الخدمات والبنية التحتية.
وأكد أن الحكومة ستواصل العمل مع مختلف الجهات ذات العلاقة لحماية المناطق المستهدفة وتعزيز التنمية فيها، باعتبار ذلك جزءا من معركة الصمود الوطني.




