تكشف الحادثة التي أوردتها إذاعة “كان ريشت بيت” عن أزمة عميقة داخل منظومة القيادة والانضباط في وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتحديدًا في كتيبة “ناحشون” التابعة للواء كفير. قرار حل فصيل الاقتحام على خلفية الإهمال في التعامل مع جندي يعاني من أزمة نفسية حادة، لم يكن مجرد إجراء إداري أو عقابي، بل هو مؤشر خطير على ما يمكن وصفه بانهيار الثقة داخل التسلسل القيادي، وتجاهل مقلق لصحة الجنود النفسية في ساحة القتال.
تقاعس قادة الجيش الإسرائيلي
الوقائع التي تكشفت عبر شهادات الجنود أنفسهم تفضح جملة من التجاوزات والانتهاكات السلوكية من قبل قادة ميدانيين، كان من المفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول في حماية أرواح جنودهم، لا أسبابًا مباشرة في تدهور حالتهم النفسية. الجندي الذي لوّح بالانتحار مرتين، أمام شهود، ووجّه بندقيته إلى جسده، لم يُنقل للعلاج، بل أُجبر على دخول قطاع غزة مجددًا، في خرق صريح للمعايير العسكرية والطبية المعمول بها حتى في الجيوش التي تخوض حروبًا.
المؤلم في هذه القصة ليس فقط تقاعس القادة، بل الطريقة التي سُخرت بها حالة الجندي النفسية. من التهديد بحرمانه من الإجازة، إلى السخرية من محاولاته لطلب المساعدة، يبدو أن الفصيل كان يعاني من خلل ثقافي داخل بنيته، قائم على التهكم، والإهمال، ومحو الأعراض بدلاً من معالجتها. وعندما تحوّلت مطالب الجندي إلى نداءات يائسة، لم يجد سوى زملائه، من الرتب الصغيرة، من يقف إلى جانبه، ويمنع الكارثة. هذا التضامن بين الجنود هو ما أنقذ الموقف، لكنه أيضًا يوضح فداحة غياب المسؤولية لدى القيادات المتوسطة.
عصيان جماعي
ورغم أن الجندي نُقل في النهاية إلى ضابطة صحة نفسية، فإن ذلك لم يتم إلا تحت ضغط مباشر من زملائه، الذين رفضوا صراحة تنفيذ الأوامر إذا لم يُعالج رفيقهم. هذا العصيان الجماعي يكشف إلى أي حد فقد الجنود ثقتهم في سلسلة القيادة، واضطروا إلى اتخاذ خطوات جماعية للفت الانتباه إلى خطر وشيك. الأسوأ من ذلك، أن قائد الكتيبة لم يكن على دراية بحالة الجندي، ما يدل على عجز في نقل المعلومات داخل المستويات القيادية.
الإدعاءات التي ظهرت لاحقًا بشأن سلوكيات قائد الفصيل – ومنها إطلاق نار على الأرض بالقرب من الجنود – تضيف بعدًا أكثر خطورة إلى القضية. فهي لا تشير فقط إلى الفشل في القيادة، بل إلى وجود بيئة عدوانية وغير آمنة نفسيًا للجنود. عندما يصل الأمر إلى أن الجنود يعلنون رفضهم القتال تحت قيادة شخص بعينه، ويمكثون 28 يومًا دون إجازات كعقوبة، ثم يُطلب منهم لاحقًا الاستعداد لاقتحام آخر، فإن ذلك يعكس اختلالًا في العلاقة بين القيادة والجنود، وغيابًا لأدنى قواعد الانضباط الأخلاقي.
تسريح الجندي من الجيش بعد تقييم نفسي هو خطوة متأخرة، لكنها ضرورية، وتؤكد أن حالته لم تكن عارضة، بل جزءًا من أزمة نفسية متفاقمة، فشل الجيش في التعامل معها مبكرًا. الاعتراف الرسمي، عبر قرار حل الفصيل، هو اعتراف ضمني بالمسؤولية، لكنه لا يعفي المؤسسة العسكرية من تحمل تبعات ما حدث، سواء على مستوى مراجعة السياسات النفسية، أو آليات الرقابة، أو إصلاح ثقافة القيادة الميدانية.
تزايد حالات الانتحار
في سياق أوسع، فإن هذه الحادثة تفتح ملفًا حساسًا يتعلق بالصحة النفسية للجنود الإسرائيليين الذين خدموا في غزة أو عادوا منها. إنها ليست حالة فردية معزولة، بل مؤشّر على أزمة داخل جيش بات يخوض واحدة من أطول وأعنف الحملات العسكرية في تاريخه، وسط تزايد في حالات الانتحار والاضطرابات النفسية، والتي قد تبقى غير مرئية بسبب سياسة الإخفاء أو الإنكار داخل المؤسسة الأمنية.
ما حدث في كتيبة “ناحشون” لا ينبغي أن يُقرأ كحادثة داخلية فحسب، بل كمؤشر على انهيارات متسلسلة في منظومة القيادة، والاهتمام النفسي، وتوازن الجندي في الميدان، في وقت تُكثّف فيه إسرائيل من عملياتها في قطاع غزة. القتال ليس فقط على الأرض، بل أيضًا داخل عقول أولئك الذين يُطلب منهم تنفيذه. وعندما يُترك جندي على حافة الانتحار دون تدخل، يصبح الجيش نفسه مسؤولًا عن كل ما يترتب على هذا الإهمال.







