تتواصل الحرب في أوكرانيا للعام الرابع على التوالي، لتفرض نفسها ليس فقط على موازين القوى في أوروبا، بل أيضًا على طبيعة العلاقات الدولية في شرق آسيا، وتحديدًا بين الصين والدول الغربية. ومع تصاعد الصراع، يجد القادة في بكين أنفسهم محاصرين بتحديات دبلوماسية معقدة تتعلق بتوازن التحالفات، وتحديد الموقف من نزاع بات يضع الصين أمام اختبارات استراتيجية غير مسبوقة.
في يوليو 2025، وأثناء زيارة عدد من القادة الأوروبيين إلى بكين، تصدّر الملف الأوكراني جدول المحادثات، وسط تأكيدات بأن هذه الحرب تمثل أحد الأسباب الأساسية لتدهور العلاقات الصينية الأوروبية، التي وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنها وصلت إلى “نقطة تحول”. وترى بروكسل أن التقارب الصيني الروسي، والدعم الذي يُعتقد أن بكين قدمته لموسكو على مدار سنوات النزاع، قد طغى على كل القنوات الأخرى للتعاون بين الجانبين.
وخلال الاجتماعات في العاصمة الصينية، دعا رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا القيادة الصينية إلى استخدام نفوذها لدى روسيا من أجل دفعها لاحترام ميثاق الأمم المتحدة وإنهاء عدوانها العسكري. وعلى الرغم من محاولات الصين لعب دور الوسيط، إلا أن مبادراتها لم تنجح حتى الآن في تحقيق أي اختراق ملموس في سبيل الوصول إلى تسوية دائمة.
تأرجح الموقف الصيني يعود في جزء كبير منه إلى الانقسام الداخلي في كيفية تفسير الحرب. وبينما يؤكد بعض صانعي القرار في بكين على ضرورة دعم مبادئ السيادة الوطنية ووحدة الأراضي، فإن علاقات الصين الوثيقة مع روسيا، ورؤيتها الاستراتيجية طويلة المدى، تقيد قدرتها على الضغط على موسكو لاتخاذ مواقف قد تُفسر على أنها تنازلات لصالح أوكرانيا أو الغرب.
في الداخل الصيني، تكشف النقاشات الجارية بين النخب السياسية والأكاديمية، وحتى في منصات التواصل الاجتماعي، عن حالة استقطاب واضحة. فهناك من يرى أن الحرب تمثل خرقاً للقانون الدولي وانتهاكاً لسيادة دولة مستقلة، خاصة في ضوء التجارب التاريخية التي عاشتها الصين مع الغزو والاستعمار، وهو ما يخلق نوعاً من التعاطف مع الموقف الأوكراني. في المقابل، هناك من يعتبر أن هذه الحرب امتدادٌ طبيعي لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويقرأ الصراع من منظور التنافس التاريخي بين روسيا والغرب.
وبينما تشير بعض الأصوات في بكين إلى أهمية العلاقات التي ربطت الصين بأوكرانيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، خصوصاً في مجال التكنولوجيا العسكرية، فإن أصواتًا أخرى ترى في ما تقوم به روسيا اليوم شكلاً من أشكال المقاومة في وجه التوسع الغربي في المجال الحيوي الروسي، وهو موقف يجد صدًى لدى مواطنين صينيين يعتبرون أن بلادهم نفسها تواجه محاولات تطويق من قبل واشنطن وحلفائها.
تاريخياً، كانت محطات مثل حرب كوسوفو عام 1999، وضم شبه جزيرة القرم في 2014، علامات فارقة في العلاقة بين روسيا والغرب، وقد رسخت لدى موسكو قناعة بأنها محاصرة جيوسياسيًا. في السياق نفسه، فإن الحروب الحدودية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي تُعد، بالنسبة للبعض في الصين، دليلاً على هشاشة النظام الدولي القائم، وعدم قدرة المؤسسات الغربية على خلق حلول عادلة ومستدامة.
أما على مستوى الرأي العام، فإن الكثير من المواطنين الصينيين ينظرون إلى السياسة الغربية تجاه بكين بعين الريبة، خاصة في ظل ما يعتبرونه محاولات مستمرة لإعاقة صعود الصين كقوة عظمى. ويرى بعضهم في نهج روسيا، رغم طابعه الصدامي، تعبيرًا عن الشجاعة في مواجهة “الهيمنة الغربية”، في وقت يعتقدون فيه أن دبلوماسية بلادهم غالبًا ما تتسم بضبط النفس المفرط.
وفي حين تدعو بكين باستمرار إلى حل سلمي للنزاع، فإن تحفظها عن إدانة موسكو بشكل مباشر، وحرصها على إبقاء علاقاتها الاستراتيجية مع الكرملين، يعمّق فجوة الثقة بينها وبين العواصم الأوروبية. ويُجمع مراقبون على أن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الصين، وسيسهم في تأزيم العلاقات مع الغرب، ما لم تُقدم بكين على خطوات ملموسة تظهر فيها نيتها الحقيقية للعب دور متوازن في تسوية النزاع.
لكن، وفي ظل الانقسام الداخلي، وطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية المعقدة بين الصين وروسيا، لا يبدو أن بكين مستعدة – أو قادرة – على لعب دور محوري في وقف الحرب الأوكرانية، ما يترك مستقبل علاقتها بالغرب معلقًا على مسار صراع يبدو أنه لا يزال بعيدًا عن نهايته.






