تأتي تصريحات قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر في لحظة سياسية دقيقة ومعقدة، إذ دخلت ليبيا مرحلة جديدة من التوتر المؤسسي وسط غياب التوافق على خريطة طريق موحدة، وتنامي حالة الإحباط الشعبي من استمرار الانقسام. عندما يصرّح حفتر بأن الدولة الليبية «أصبحت عاجزة عن أداء مهامها»، فإنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يوجه رسالة سياسية واضحة تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد التشخيص، لتصل إلى وضع البلاد أمام خيارين: إما الانتقال السياسي الفعلي، وإما الدخول في مرحلة انهيار شامل. هذا الخطاب، الذي يجمع بين التحذير والتلميح، يدل على إدراك القيادات العسكرية والسياسية لعمق الأزمة التي تعصف بليبيا منذ أكثر من عقد.
انتشار الفساد وغياب السلطة
يشير حفتر إلى انتشار الفساد وغياب السلطة الفعلية للدولة على السلاح المنتشر خارج المؤسسات. هذا التشخيص يعكس حقيقة راسخة في المشهد الليبي، حيث تعدد مراكز القوة ووجود جماعات مسلحة تعمل خارج الأطر الرسمية يقوّض فعلياً أي إمكانية لقيام دولة مركزية قادرة. فالسلاح خارج سلطة الدولة ليس مجرد مشكلة أمنية، بل هو تجسيد لغياب العقد الاجتماعي، وعجز المؤسسات عن فرض حكم القانون، وهو العامل الأبرز الذي يهدد وحدة ليبيا واستقرارها. عندما يصف حفتر انتشار السلاح بأنه «يهدد أمن المواطنين الأبرياء»، فهو يحاول إبراز أن الأمن العام بات رهينة معادلات محلية وإقليمية معقدة، وأن الدولة لم تعد قادرة على حماية مواطنيها، وهي أهم وظائفها الأساسية.
تصريحات حفتر حول «الفساد بوصفه الطابع المألوف في مؤسسات الدولة» تكشف بدورها عن أزمة بنيوية، لا تتعلق فقط بالحكومة القائمة أو بسلطة معينة، بل تتصل بطبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2011. فغياب المؤسسات الموحدة وتوزع السلطة بين حكومات موازية وبرلمانات متصارعة خلق فضاء خصباً لنمو شبكات مصالح اقتصادية وسياسية تعمل خارج أي إطار رقابي. ويعود ذلك إلى غياب رؤية وطنية مشتركة، وتعطل مسار بناء الدولة على أسس دستورية واضحة، ما جعل الفساد ليس عرضاً عابراً وإنما جزءاً من بنية الحكم الحالية.
ساحة فوضى شاملة
يضيف حفتر أن هناك «من يعمل لإطالة أمد الأزمة»، وهو اتهام موجه إلى أطراف داخلية وخارجية على حد سواء. فمن جهة، تُتّهم القوى السياسية في طرابلس وبنغازي على السواء بالمماطلة في الوصول إلى تسوية تُفقدها جزءاً من نفوذها. ومن جهة ثانية، يعكس كلامه شعوراً بأن المجتمع الدولي، رغم مبادراته المتعددة، لم يكن قادراً أو راغباً في فرض حلول جذرية، بل اكتفى بإدارة الأزمة لا حلها. وتلميحه إلى «الجالسون على عرش السلطة» يشير إلى أن النخب السياسية في ليبيا أصبحت جزءاً من المشكلة لا أداة للحل، وربما يعيش بعضها على استمرار الوضع الراهن الذي يوفر لها مكاسب سياسية واقتصادية.
في هذا السياق، تبدو تساؤلات الليبيين حول احتمالات انهيار الدولة مُحقّة. فالدولة الليبية ليست على وشك الانهيار فحسب؛ بل إن الكثير من ملامح الدولة قد انهارت فعلاً: الانقسام السياسي والمؤسسي قائم، وجود جيوش موازية وقوات محلية متباينة الولاء واقع، النفط يخضع لمساومات بين قوى مختلفة، والاقتصاد مرتبط بهوامش الفساد والتهريب. ومع ذلك، لا يزال هناك ما يُبقي ليبيا قائمة، ويتمثل في رغبة دولية في منع تحولها إلى ساحة فوضى شاملة، وفي قدرة بعض المؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها مؤسسة النفط والمصرف المركزي، على مواصلة العمل ولو في الحد الأدنى.
تفكيك الميليشيات ومحاربة الفساد
تتقاطع تصريحات حفتر مع إعلان الأمم المتحدة بدء تلقي الترشيحات لحوار مجتمعي ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها في أغسطس الماضي. فهذه الخريطة تسعى إلى إعادة تشكيل المسار السياسي على ثلاث مراحل: إنشاء إطار انتخابي قابل للتطبيق، توحيد المؤسسات، ثم حوار وطني واسع. غير أن هذه الخطوات، رغم منطقها السياسي، تواجه معضلات واقعية، أبرزها غياب إرادة حقيقية لدى بعض الأطراف للمضي في الانتخابات، خوفاً من فقدان السلطة. كما أن توحيد المؤسسات يتطلب توافقاً بين حكومتين وبرلمانين وجيوش متعددة، وهو أمر يظل بعيد المنال دون تفاهمات جادة بين القوى المسيطرة على الأرض.
إن تصريح حفتر يمكن فهمه أيضاً كنوع من الضغط السياسي تجاه الأمم المتحدة والأطراف الدولية. فالإعلان الأممي عن خريطة الطريق يُعد محاولة لإعادة الإمساك بالملف الليبي بعد سنوات من تعثر المسارات السابقة. لكن حفتر يريد أن يقول إن أي خريطة طريق لن تنجح إذا لم تستند إلى معالجة جذور الأزمة: تفكيك الميليشيات، محاربة الفساد، والاتفاق على سلطة تنفيذية موحدة. ولعل حديثه عن «العمل في السر والعلن لإطالة الأزمة» يحمل في طياته رفضاً لأي مقاربة تعتمد على حلول جزئية أو تسويات هشّة.
ومع ذلك، تبقى ليبيا ليست بالضرورة على حافة الانهيار المطلق، وإنما في حالة «جمود خطير». الانهيار الكامل يتطلب تفككاً اقتصادياً وأمنياً شاملاً، وهو ما لم يحدث بعد، رغم أن ملامحه تلوح في الأفق. فالاقتصاد الليبي ما زال قادراً على الضخ بسبب عائدات النفط، رغم اضطراب الإنتاج أحياناً. والمجتمع الليبي، رغم الانقسامات، يمتلك روابط اجتماعية وقبلية تمنع الانهيار الشامل للدولة. لكن استمرار الوضع الراهن بلا حل سيجعل الانهيار أقرب من أي وقت مضى، خصوصاً إذا تعثرت خريطة الطريق الجديدة أو فشلت.
خطر يعصف بليبيا
الأسباب التي تجعل ليبيا مهددة بالانهيار تتوزع بين عوامل داخلية وخارجية. داخلياً، هناك الانقسام المؤسساتي، انتشار السلاح، ضعف سلطة القانون، تفشي الفساد، وتضارب مصالح القوى السياسية. وخارجياً، تتشابك الأجندات الإقليمية والدولية التي تدعم هذا الطرف أو ذاك، وتعمل أحياناً على منع الوصول إلى حلول نهائية. ويمثل النفط عاملاً محورياً في الصراع، لأنه مصدر النفوذ الرئيسي لكل الأطراف، ما يجعل السيطرة عليه هدفاً استراتيجياً ومصدراً للتوتر المستمر.
تظهر تصريحات حفتر كتحذير من خطر حقيقي يعصف بليبيا، لكنه أيضاً تحذير ذو طابع سياسي يهدف إلى إعادة تموضع الأطراف المختلفة ضمن مشهد يتغير. فالدولة الليبية تعاني من عجز حقيقي في أداء وظائفها، وتواجه مخاطر الانهيار إذا لم يتحقق توافق وطني على مسار سياسي واضح يفضي إلى حكومة موحدة وانتخابات شفافة. ولا يبدو أن هذه المهمة ستكون سهلة في ظل الواقع الحالي، لكنها ضرورية لتجنب انزلاق البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة.







