بدأت الحكومة اليمنية الجديدة مهامها رسمياً بعد أدائها اليمين الدستورية، وسط تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، وتوجيهات رئاسية واضحة بضرورة استعادة ثقة المواطنين وصناعة نموذج مختلف في إدارة مؤسسات الدولة، في مرحلة توصف بأنها مفصلية في مسار الشرعية.
وتأتي انطلاقة الحكومة في ظل تراجع حضور مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب، وتزايد الضغوط الشعبية لتحسين الخدمات الأساسية، بالتوازي مع تهديدات أمنية مستمرة وتعقيدات اقتصادية عميقة.
أزمات متراكمة واختبار مبكر
وتواجه الحكومة ملفات خدمية ضاغطة، في مقدمتها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب أزمة انتظام صرف الرواتب في عدد من المناطق.
وتمثل هذه القضايا اختباراً عملياً لقدرة السلطة التنفيذية على تحقيق نتائج ملموسة، خصوصاً مع محدودية الموارد المالية، واستمرار استهداف مصادر الإيرادات، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية المتضررة من النزاع.
اقتصادياً، تبرز مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، وضغوطاً متزايدة على سعر العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم والفقر. كما يرتبط أي دعم دولي محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية، ما يجعل قدرة الحكومة على وقف التدهور مرهونة بتوازنات سياسية وأمنية تتجاوز الأدوات الاقتصادية التقليدية.
الأزمة الإنسانية بدورها تقف على رأس الأولويات، مع تحذيرات أممية من تراجع التمويل الدولي، وتهديد مئات المرافق الصحية بالإغلاق، في ظل أوضاع معيشية صعبة يعيشها ملايين اليمنيين.
خطاب «إدارة دولة» لا خطاب أزمة
في أول لقاء له بالحكومة عقب أدائها اليمين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي على أن المرحلة لا تحتمل إدارة تقليدية، داعياً إلى «صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويجعل من الاقتصاد والخدمات جزءاً من المعركة الوطنية الشاملة.
ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بوصفها جبهة موازية للجبهة العسكرية، مشدداً على الانضباط المالي، ودعم استقلالية البنك المركزي، وكبح التضخم، وحماية العملة الوطنية.
كما أكد أن معيار تقييم أداء الحكومة سيكون قدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الخدمات الأساسية، وضبط الأسعار، ومنع تسييس الخدمات.
ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي للحرب يوسف شمسان أن الخطاب الرئاسي حمل تحولاً لافتاً من الخطاب السياسي التقليدي إلى مقاربة أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، مع تركيز واضح على كسر مصالح اقتصاد الحرب، ووقف الريع الحربي، وربط الإصلاح الاقتصادي بإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ضغوط العودة إلى عدن
تتعرض الحكومة لضغوط شعبية ودولية للانتقال بكامل أعضائها إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتفعيل مؤسسات الدولة من الداخل، بما يعزز الحضور التنفيذي والرقابي ويحد من مظاهر الغياب الإداري.
كما شدد العليمي على أولوية الأمن وسيادة القانون، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي، عبر ضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز. وأكد أهمية الشراكة مع السعودية في توحيد القرارين الأمني والعسكري، وتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة.
رهانات المحافظات وتطلعات المواطنين
وفي المحافظات، تتزايد التوقعات الشعبية بتحسين الخدمات وتعزيز الأمن. ويطالب ناشطون ومسؤولون محليون بدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتطوير البنية التحتية، وضمان مشاركة عادلة في مؤسسات الدولة المركزية، بما يهيئ بيئة جاذبة للاستثمار ويعزز الاستقرار.
وفي مأرب وغيرها من المناطق، تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومة على التعامل مع الأزمة الإنسانية المتفاقمة، في ظل تحذيرات من بلوغ القطاع الصحي «نقطة الانكسار»، وتزايد أعداد الأطفال المهددين بسوء التغذية الحاد.
وتجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة: الانتقال من الاعتماد الكبير على المساعدات إلى إدارة ذاتية أكثر فاعلية للموارد، في اقتصاد منهك وعملة متدهورة، كما يظل تعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية أحد أبرز التحديات، في ظل انسداد أفق السلام وتراجع فاعلية المبادرات الدولية.




