في خضم النزاع الدموي المستعر في السودان، وتحديدًا بعد إعلان تحالف تقوده قوات “الدعم السريع” عن تعيين رئيس لحكومة موازية، انطلقت موجة من الإدانات السياسية والتحذيرات المحلية والدولية من مغبة هذه الخطوة وتداعياتها الكارثية على وحدة البلاد ومستقبلها السياسي.
فالحكومة السودانية سارعت إلى التنديد بما وصفته بـ”محاولة انقلابية جديدة على مؤسسات الدولة”، في حين حذرت قوى مدنية وسياسية من أن هذا الإعلان يهدد بتكريس الانقسام وتفتيت الوطن، ويمنح الحرب أفقًا مفتوحًا لا نهاية له، في وقتٍ يحتاج فيه السودان إلى حل وطني شامل، وليس إلى شرعيات متوازية تتصارع على الأطلال.
تصعيد سياسي يهدد وحدة الدولة
التحرك الذي قادته قوات الدعم السريع لا يمكن فصله عن التقدم العسكري الذي حققته على بعض الجبهات، إذ يبدو أن هذه الخطوة تهدف إلى انتزاع اعتراف سياسي بالأمر الواقع، والتفاوض لاحقًا من موقع قوة. لكن الأخطر أن إعلان حكومة موازية في ظل هذا التمزق الجغرافي والمؤسساتي يعني السير في طريق “الصوملة” أو “اللبننة”، أي تحويل السودان إلى دولة محاصصة وانقسامات.
ويرى مراقبون أن تشكيل حكومة موازية، حتى وإن كانت شكلية، يشرعن عمليًا فكرة “السودانين”: أحدهما تحت سلطة الجيش، والآخر تحت قبضة مليشيا الدعم السريع، وهو ما يُنذر بتدويل جديد للأزمة وتحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، لا صوت فيها يعلو على صوت السلاح.
المصالح العليا للدولة في مهب الريح
في مثل هذا السياق المتفجر، تغيب بالكامل لغة الدولة ومؤسساتها، وتحل محلها حسابات الميدان، وتغليب مصلحة الفصيل على مصلحة الوطن. وهنا تُستدعى بإلحاح فكرة “المصالح العليا للسودان”، لا كمجرد شعارات تُرفع، بل كمعايير واضحة وحاكمة يجب أن يحتكم لها الجميع.
وتتمثل هذه المصالح في وحدة السودان أرضًا وشعبًا، واستعادة سيادته الوطنية بعيدًا عن أي وصاية خارجية، وحماية نسيجه الاجتماعي من الانهيار، وإيقاف نزيف موارده الطبيعية، وبناء مؤسسات مستقلة لا تخضع لإملاءات القوى المسلحة ولا للابتزاز الدولي.
لكن للأسف، فإن الوقائع تشير إلى أن لا أحد من أطراف النزاع، حتى اللحظة، يضع هذه المصالح في صدارة الأولويات. فكل طرف يسعى إلى انتزاع السلطة بالقوة، دون رؤية جامعة، أو برنامج سياسي متكامل يعيد للسودان هيبته، ويُنقذ ما تبقى من الدولة التي تنهار أمام أعين أبنائها.
هل ما زال بالإمكان إنقاذ السودان؟
لا يزال الأمل ممكنًا، إذا ما أدرك السودانيون – بمختلف انتماءاتهم السياسية والعسكرية – أن لا فائز في هذه الحرب، وأن الانتصار الحقيقي هو في منع الانقسام، ووقف النزاع، والاحتكام إلى حل سياسي قائم على وحدة المؤسسات وحياد الدولة.
فالتاريخ القريب يعجّ بأمثلة الدول التي انهارت حين تقاسم المتحاربون جغرافيتها وسيادتها، وتحولت من بلدان ذات مؤسسات إلى ساحات للاقتتال المفتوح. والسودان، إن لم يُسارع العقلاء فيه إلى تدارك الانهيار، فلن يرحمه أحد، ولن تُجدي بعده بيانات الشجب والإدانة.







