شهدت الفترة الأخيرة، تخلي حركة “حماس” عن السلطة الرسمية في بعض مناطق قطاع غزة، ورغم ذلك إلا أن نفوذها لا يزال قائمًا عبر منظومات لامركزية للحكم والتمويل، تتيح لها الاحتفاظ بأدوار مؤثرة في إدارة شؤون السكان، حتى مع تغير الترتيبات السياسية والإدارية.
كما يكمن نفوذ حماس في امتداد السيطرة إلى شبكات إدارية وخدمية ومالية تشكلت على مدار سنوات، وليس المناصب الرسمية وحدها، وعلى الرغم أنه من المفترض أن يؤدي انتقال السلطة إلى تغيير آليات الإدارة واتخاذ القرار، لكن ذلك قد لا يتحقق إذا استمرت الشبكات المحلية القديمة في أداء وظائفها.
وفي المناطق التي احتفظت فيها “حماس” بنفوذ إداري أكبر، يواصل موظفون مدنيون محليون، وفقًا للطرح المتعلق بواقع الإدارة في القطاع، أداء مهام تشمل إجراءات السجل السكاني، وتوزيع المساعدات الإنسانية، وإدارة بعض مرافق البنية التحتية البلدية، إلى جانب تحصيل محدود للضرائب المحلية، وربما يمنح استمرار هذه المهام الشبكات القائمة حضورًا مؤثرًا في الحياة اليومية.
ولا يقتصر هذا النفوذ على إدارة المرافق والمعاملات الحكومية، بل يمتد إلى العلاقة المباشرة مع السكان، الذين يحتاجون إلى الوثائق الرسمية والمساعدات والخدمات الأساسية، وربما أيضا يجعل ذلك تغيير منظومة الحكم أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع، إذ لا يكفي الإعلان عن مؤسسات جديدة ما لم تكن قادرة على تقديم الخدمات بصورة منتظمة وكسب ثقة المواطنين.
ويمثل التمويل أحد العوامل الرئيسية في استمرار هذه المنظومات، إذ تحتاج إدارة المرافق والخدمات إلى موارد تغطي النفقات التشغيلية والصيانة وتوفير المستلزمات الأساسية، وبالأحرى فإن نقل الاختصاصات الإدارية وحده لن يكون كافيًا إذا لم تتمكن المؤسسات الجديدة من توفير مصادر تمويل مستقرة، ووضع قواعد واضحة للإنفاق والرقابة، بما يضمن توجيه الموارد إلى الخدمات العامة ويحد من توظيف الاحتياجات الاقتصادية في تعزيز النفوذ السياسي أو التنظيمي.
وتحتل المساعدات الإنسانية موقعًا محوريًا في معادلة النفوذ داخل غزة، نظرًا إلى اعتماد قطاعات من السكان على الدعم الإغاثي لتلبية احتياجاتهم الأساسية، ويبدو أن الجهات القادرة على تنظيم التوزيع والوصول إلى المستفيدين قد تحتفظ بدور مؤثر، لذلك من المفترض أن تقوم أي منظومة بديلة على سجلات دقيقة للمستفيدين، وقواعد معلنة للتوزيع، ورقابة مستقلة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
ولا تتوقف التساؤلات بشأن نفوذ حماس عند غزة، بل تمتد إلى الحديث عن سعي الحركة لتوسيع حضورها في الضفة الغربية، ومع ذلك يبدو أن اختلاف الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بين المنطقتين يجعل من الصعب افتراض تكرار آليات النفوذ نفسها، إذ تتوقف فرص التوسع على عوامل متعددة، من بينها طبيعة المنافسة السياسية، ومستوى الثقة في المؤسسات، وقدرة الجهات القائمة على تلبية مطالب المواطنين، وبالأحرى، يجب التمييز بين الوقائع القائمة والتقديرات المتعلقة بمستقبل الحركة.
ومن المفترض أن أي انتقال إداري في غزة يتطلب التعامل بحذر مع المؤسسات والعاملين القائمين، لأن تغيير المسؤولين لا يعني بالضرورة اختفاء الهياكل الإدارية وشبكات العلاقات المحلية، وربما يؤدي استبعاد الموظفين بصورة مفاجئة، دون توفير بدائل مؤهلة، إلى تعطيل الخدمات وزيادة معاناة السكان، لذلك تبدو الحاجة ضرورية إلى خطة تدريجية تضمن استمرارية المرافق، وتحدد المسؤوليات ومعايير التعيين والمساءلة.
وفي هذا السياق، يبرز إنشاء هيكل حكم بديل في غزة باعتباره أحد المسارات المطروحة لتغيير الواقع الإداري وتقليص الاعتماد على المنظومات المرتبطة بحماس، لكن نجاح هذا التصور يظل مرهونًا بقدرة الإدارة الجديدة على ممارسة صلاحيات فعلية، وتوفير موارد مالية مستقرة، وإدارة الخدمات والوثائق الرسمية والمساعدات، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الإنسانية والجهات المعنية بإعادة الإعمار.
ويبدو أن التحدي الأساسي أمام أي إدارة بديلة لا يتمثل في تغيير الأسماء أو نقل الاختصاصات فحسب، بل في بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة وشفافية، وتقديم خدمات يشعر السكان بأثرها المباشر، وبذلك يضمن هذا المسار وجود رقابة فعالة وآليات واضحة للمساءلة، بما يمنع نشوء فراغ إداري قد تستفيد منه الشبكات القائمة أو أطراف أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها.
وبالأحرى، فإن مستقبل الحكم في غزة سيعتمد على قدرة أي ترتيبات جديدة على معالجة جذور النفوذ الإداري والمالي، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وحماية احتياجات السكان، وربما لا يؤدي تخلي “حماس” عن السلطة الرسمية وحده إلى إنهاء نفوذها، ما لم يصاحبه بناء بديل مؤسسي قادر على إدارة شؤون القطاع بصورة مستقرة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات الجديدة.
أمينة خليفة






