في تصعيد دموي جديد ضمن الحرب المستمرة على قطاع غزة، تحولت مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، إلى مسرح لمجزرة مروعة جراء قصف إسرائيلي غير مسبوق في عنفه وكثافته، مما أثار موجة غضب وذهول عارمة على منصات التواصل الاجتماعي. فخلال ساعات قليلة فقط، تحوّل صباح خان يونس إلى مشهد من أهوال الحرب، مع أكثر من 30 غارة جوية متتالية اجتاحت المدينة، وسط صرخات المدنيين وأزيز الطائرات والقنابل التي لم تتوقف.
أحزمة نارية
استشهد ستة فلسطينيين على الأقل، وأُصيب العشرات بجراح متفاوتة، بعد أن تعرضت مناطق عدة في المدينة لغارات متزامنة نفذتها مختلف أنواع الطيران الحربي الإسرائيلي. وأكد موقع “والا” العبري أن الجيش الإسرائيلي نفذ عملية خاصة في المدينة، ما يفسر شدة الغارات واستخدام “أحزمة نارية” كما وُصف الأمر من قِبل شهود العيان.
ما ميّز هذا التصعيد تحديدًا لم يكن فقط حجمه أو عدد الضربات، بل المشاهد التي وُثّقت عبر مقاطع فيديو انتشرت بسرعة مذهلة على منصات التواصل، خصوصًا “إكس” (تويتر سابقًا). فقد أظهرت المقاطع لحظات مرعبة من القصف الجوي الكثيف، تخللها إطلاق نار عشوائي، وأصوات صراخ الأهالي الذين يحاولون النجاة أو البحث عن أحبائهم تحت الأنقاض.
خان يونس تحترق
وسط هذه الفوضى، شكّل مجمع ناصر الطبي بؤرة للكارثة الإنسانية. إذ توافد إليه عدد كبير من الشهداء والجرحى، فيما كانت سيارات الإسعاف عاجزة تمامًا عن الوصول إلى كثير من المناطق المنكوبة بسبب كثافة الغارات واستمرار التحليق الإسرائيلي. وصرّح ناشطون بأن هناك أحياء كاملة لم تستطع طواقم الإنقاذ دخولها حتى الآن، بينما يظل الضحايا عالقين تحت الأنقاض أو في الشوارع.
الناشط الفلسطيني المعروف “تامر” كتب على صفحته في “إكس” قائلاً: “خان يونس تحترق.. الوضع لا يُحتمل، عدد كبير من الشهداء سقطوا في لحظات قليلة، والإسعاف لا يمكنه حتى دخول المناطق!”. فيما وصف المحلل السياسي إياد القرا المشهد بقوله: “القصف في كل مكان، الطائرات بالعشرات ومن كافة الأنواع تضرب بلا توقف.. ما نراه الآن يذكرنا بمجازر رفح عام 2024”.
إبادة ممنهجة
تأثير هذا الهجوم لم يكن مادياً فقط، بل نفسياً أيضاً. فالكثير من الأهالي تحدثوا عن رعب لا يوصف، يشبه “أهوال يوم القيامة”، حسب تعبير أحدهم، قائلاً: “عشنا أكثر من نصف ساعة كأنها النهاية.. لا مكان آمن، لا سماء، لا أرض، لا حياة!”. وذهب آخر للقول: “عشنا صباحاً صعباً في خان يونس.. كل أنواع الطائرات كانت فوق رؤوسنا”.
اللافت أيضاً أن القصف لم يقتصر على الأهداف العسكرية أو المشبوهة، بل طال كل شيء: خيام النازحين، منازل المدنيين، محيط المستشفيات، وحتى الطرقات العامة، وهو ما دفع نشطاء كُثر إلى التأكيد بأن ما يحدث ليس مجرد تصعيد عسكري بل “إبادة ممنهجة” تُنفَّذ أمام أعين العالم.
فشل المجتمع الدولي
خان يونس، التي تحملت في الأشهر الماضية نصيباً وافراً من القصف والتوغل البري، تعود اليوم لتتصدر مشهد المأساة الفلسطينية، هذه المرة بصورٍ أكثر قسوة وشراسة، فيما لا تزال الآلة العسكرية الإسرائيلية تواصل ضرباتها دون اعتبار للقوانين الدولية أو للمبادئ الإنسانية.
وفي ظل هذا المشهد، يُطرح السؤال الأخطر: إلى متى يستمر هذا الصمت الدولي؟ وكيف يمكن تبرير استهداف المدن والبيوت والخيام والمستشفيات، دون مساءلة أو رادع؟
خان يونس اليوم ليست مجرد مدينة تُقصف، بل هي عنوان جديد لفشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، ومرآة لحجم الكارثة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار والنار.






