بينما يرزح سكان قطاع غزة تحت وطأة مجاعة تفتك بالأطفال ودمار شامل دمّر كل مقومات الحياة، تصرّ حركة «حماس» على المضي في استراتيجيتها العسكرية المُعلنة، التي تصفها بـ«معركة الاستنزاف طويلة الأمد»، متباهيةً بعمليات محدودة التأثير ضد قوات الاحتلال، تروّج لها كـ«إنجازات نوعية» في وقت تعجز فيه عن تأمين الحد الأدنى من سبل البقاء لأكثر من مليوني فلسطيني محاصرين داخل القطاع.
تدمير الأحياء وقتل المدنيين
في البيانات التي صدرت عن كتائب القسام مؤخراً، تركيز واضح على استهداف ناقلة جند إسرائيلية وسط القطاع وقصف موقع للقيادة والسيطرة في رفح بصواريخ قصيرة المدى. وعلى الرغم من أنها عمليات تحمل بُعداً رمزياً وتعبوياً، إلا أنها لا تغيّر من ميزان القوى على الأرض، ولا توقف آلة الحرب الإسرائيلية التي تستمر في اجتياح المدن وتدمير الأحياء وقتل المدنيين. هذه الضربات، وإن شكلت ردعاً محدوداً في المدى القريب، لا ترتقي إلى مستوى التأثير الاستراتيجي الذي يتطلبه الدفاع عن غزة، خاصة في ظل انهيار شامل للأوضاع الإنسانية والصحية والمعيشية.
في المقابل، تظهر هذه التحركات العسكرية كأنها محاولة لتعويض العجز السياسي، أو تغطية حالة الجمود المتفاقم في مسار المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، حيث ترفض حماس تقديم أي تنازلات تتعلق بوقف إطلاق النار أو السماح بإدخال مساعدات عاجلة من دون تحقيق شروطها الكاملة، والتي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الحرب نهائيًا، ورفع الحصار، وهي شروط تبدو في الظروف الراهنة بعيدة المنال. النتيجة هي استمرار الحرب واستنزاف سكان غزة، لا العدو فقط، كما تدّعي الحركة.
حماس منفصلة عن الواقع
ما يُثير القلق هو أن خطاب حماس بات منفصلاً بصورة خطيرة عن الواقع على الأرض. ففي وقت يعلن فيه «مجمع الشفاء الطبي» وفاة أكثر من 20 طفلاً بسبب المجاعة في ثلاثة أيام، وتخرج صور مؤلمة لأهالٍ يبكون أبناءهم الذين ماتوا جوعًا، تتجه الحركة إلى تلميع عمليات ميدانية لا تتعدى في مفعولها إحداث جروح في صفوف جنود إسرائيليين، وكأن هذه العمليات وحدها تكفي لتبرير استمرار المعاناة الجماعية للشعب الفلسطيني المحاصر.
لقد أصبح واضحًا أن الرهان على معركة استنزاف طويلة لا يأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المنهكة للقطاع، ولا الكلفة الإنسانية التي يدفعها المدنيون يوميًا. فالاحتلال يستمر في عملياته العسكرية، بينما تُدمَّر البنية التحتية، وتغلق المدارس والمستشفيات، ويُقتل ويُشرَّد الآلاف. ورغم هذه الكارثة، تصر حماس على تقديم خطاب مقاوم جامد، يتعامل مع الناس كمجرد «صامدين» في مشروع طويل المدى، من دون أي أفق عملي للتخفيف من مأساتهم.
من ناحية أخرى، يثير تعنت حماس في ملف التفاوض تساؤلات جديّة حول أولوياتها السياسية. فبدلاً من التعامل بمرونة تكتيكية قد تسمح بتهدئة، ولو مؤقتة، تتيح إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح ومؤسسات ومقومات حياة، تُصِرّ الحركة على شروطها القصوى وكأنها في موقع يمكّنها من فرض الشروط لا التفاوض. هذا التعنّت لا يُنظر إليه على أنه «صمود»، بل أصبح بالنسبة لكثير من الفلسطينيين – وحتى من حلفاء الحركة – نوعًا من المغامرة غير المحسوبة التي قد تنتهي بكارثة جماعية أكبر.
حسابات سياسية وعسكرية
والأخطر من كل ذلك، أن هذا النهج يرسّخ انفصالًا بين القيادة والقواعد الشعبية، إذ بات المواطن في غزة ضحية مزدوجة: ضحية قصف الاحتلال، وضحية حسابات سياسية وعسكرية لا تعبأ بحجم ما يُدفع من دماء وأوجاع. إن التمترس خلف خطاب «المقاومة» وتجاهل المجاعة والانهيار، لا يمكن اعتباره مقاومة حقيقية، بل هو انزلاق نحو مشروع مغلق على ذاته، يرفع شعارات كبرى بينما الناس يموتون من الجوع أو يُنتشلون من تحت الأنقاض.
في لحظة كهذه، تفرض الضرورة الأخلاقية والسياسية أن تُعيد حماس النظر في نهجها: ليس من موقع الضعف، بل من موقع المسؤولية التاريخية. فالمقاومة ليست فقط فعلًا عسكريًا، بل قدرة على تأمين الحياة لأبناء الشعب، وتقديم حلول واقعية، حتى في أصعب اللحظات. والمكاسب الرمزية التي تُروّج اليوم على أنها انتصارات، لن تُغني عن كارثة إنسانية تُكتب فصولها في كل بيت من بيوت غزة.






