شهد إقليم دارفور غرب السودان تصعيداً خطيراً، مع سقوط عشرات الضحايا جراء هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مناطق مدنية، في تطور يعكس اتساع نطاق العنف وتعقّد المشهد الميداني.
وأسفرت الغارات، التي وقعت على مدار يومين، عن مقتل ما لا يقل عن 24 مدنياً وإصابة العشرات، بعد استهداف مدن رئيسية في الإقليم، من بينها الضعين والجنينة، إضافة إلى بلدات أخرى.
واتهمت أطراف سياسية وعسكرية الجيش السوداني بتنفيذ هذه الضربات، مشيرة إلى أن بعضها طال أسواقاً ومناطق سكنية مكتظة، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين واندلاع حرائق واسعة.
انفجارات ورعب في الشوارع
بحسب شهود عيان، دوّت انفجارات عنيفة في مدينة الضعين صباح الاثنين، أعقبها تصاعد أعمدة الدخان وسط حالة من الذعر بين السكان، الذين فرّ كثير منهم بحثاً عن ملاذ آمن.
وفي مدينة الجنينة، استهدفت إحدى الضربات سوقاً شعبية، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى، إلى جانب احتراق مساحات واسعة من السوق، وظهور جثث متفحمة لم يتم التعرف على هوياتها.
وحملت قوى سياسية، من بينها تحالف «تأسيس» و«التجمع الاتحادي»، المسؤولية عن استهداف المدنيين، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل لمحاسبة المتورطين في هذه الهجمات.
وأكدت هذه القوى أن استهداف البنية التحتية المدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم لوقف هذه الانتهاكات المتكررة.
في المقابل، لم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات، في ظل استمرار التوترات الميدانية وتضارب الروايات.
دارفور.. ساحة حرب مفتوحة
وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد مستمر تشهده ولايات دارفور منذ أشهر، حيث تتكرر الهجمات بالطائرات المسيّرة، التي تستهدف في الغالب مواقع عسكرية، لكنها كثيراً ما تمتد لتصيب مناطق مدنية.
ويعكس هذا النمط من العمليات تحوّلاً في طبيعة المواجهات، مع استخدام أدوات قتالية أكثر تطوراً، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويضاعف المخاطر على المدنيين.
وبالتزامن مع هذا التصعيد، عقدت قوى مدنية سودانية اجتماعاً تحضيرياً لـمؤتمر برلين في أديس أبابا، حيث أطلقت نداءً مشتركاً لخفض التصعيد والدفع نحو حل سياسي شامل.
وشدد المشاركون على أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها عسكرياً، مؤكدين أن المسار السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء النزاع ووضع أسس انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية.
كما دق الاجتماع ناقوس الخطر بشأن الأوضاع الإنسانية المتدهورة، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء، واستمرار موجات النزوح داخل البلاد وخارجها.
دعوات لوقف فوري لإطلاق النار
وطالب المشاركون في الاجتماع بوقف فوري للهجمات العشوائية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت الحيوية.
كما دعوا إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتعاون مع المبادرات الدولية والإقليمية لإقرار هدنة إنسانية تخفف من معاناة ملايين السودانيين.
ورحب تحالف «صمود»، بقيادة عبد الله حمدوك، بالمؤتمر المرتقب، مؤكداً استعداده للانخراط في أي جهود تهدف إلى وقف الحرب.
في المقابل، أبدت الحكومة السودانية تحفظها على تنظيم المؤتمر دون التنسيق معها، بينما انتقد تحالف «تأسيس» ما وصفه بوجود قصور في التحضيرات، قد يعرقل الوصول إلى مسار سياسي شامل وموثوق.
مبادرات دولية وإقليمية على المحك
وينعقد المؤتمر بمبادرة مشتركة من قوى دولية وإقليمية، بينها دول أوروبية والاتحاد الأفريقي، إضافة إلى دول «الآلية الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة ومصر.
وتسعى هذه الأطراف إلى دفع جهود وقف إطلاق النار، ومنع اتساع رقعة النزاع، الذي بات يهدد الاستقرار الإقليمي.
وفي ظل هذا التصعيد الميداني والتباين السياسي، يقف السودان أمام مرحلة حاسمة، تتطلب توافقاً داخلياً ودعماً دولياً جاداً لإنهاء الحرب.
فبين نيران المسيّرات ونداءات السلام، يبقى المدنيون هم الضحية الأكبر، بينما تتزايد الضغوط لإيجاد حل عاجل يضع حداً لمعاناة مستمرة منذ سنوات.




