قرار الولايات المتحدة بسحب جزء من قواتها من شمال شرق سوريا لا يمكن فهمه على أنه مجرد إعادة تموضع عسكري، بل هو إشارة سياسية عميقة إلى تحول في المقاربة الأمريكية تجاه سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. هذا التحول يعكس تغيرات في الأولويات الأمريكية، وسعيًا لإعادة رسم علاقاتها الإقليمية، خصوصًا مع تركيا، وفي ظل التعامل الحذر مع الإدارة السورية الجديدة التي لم تتضح معالمها بالكامل بعد.
الموقف الأمريكي من الإدارة السورية الجديدة
منذ سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول، بقي الموقف الأمريكي الرسمي متحفظًا تجاه الاعتراف السريع بالإدارة الجديدة، وهو تحفّظ يُقرأ في سياق الرغبة في مراقبة توازنات القوى داخل دمشق، ومدى استقلالية النظام الجديد عن روسيا وإيران، وكذلك مدى قبوله بتسوية سياسية تتماشى مع القرار الأممي 2254. الولايات المتحدة لم تتخذ خطوات عدائية مباشرة ضد الحكومة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه لم تقدم دعمًا سياسيًا واضحًا، ما يُفسَّر بأنه نوع من الانتظار التكتيكي، إلى حين اتضاح الاتجاه الذي ستسلكه دمشق في ملفات مثل مكافحة الإرهاب، العلاقة مع الأكراد، والتقارب أو الابتعاد عن المحور الإيراني.
وفي هذا السياق، يُفهم تقليص الوجود العسكري الأمريكي كرسالة مزدوجة: من جهة، تفيد بأن واشنطن لم تعد ترى ضرورة لاحتلال مساحة عسكرية واسعة على الأرض، ومن جهة أخرى، تُبقي على وجود محدود (حوالي 500 جندي) كأداة متابعة وضغط، سواء تجاه الإدارة الجديدة أو القوى الإقليمية الفاعلة في الملف السوري.
العلاقة مع تركيا ومحاولات التسوية
أما العامل التركي، فهو من العوامل الجوهرية التي تفسر هذا الانسحاب. فالعلاقة بين واشنطن وأنقرة كانت متوترة لسنوات بسبب الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني. ومع التغير في المعادلات الميدانية والسياسية، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تميل إلى تخفيف هذا العبء من العلاقة، وفتح قنوات جديدة مع أنقرة، خاصة في ظل التطورات الأوسع ضمن حلف الناتو، والحاجة الأمريكية لتأمين الجبهة الأوروبية في مواجهة روسيا.
بالتالي، فإن تقليص القواعد في شمال شرق سوريا قد يكون جزءًا من صفقة غير معلنة تهدف إلى طمأنة تركيا بأن واشنطن لم تعد تلتزم بشكل كامل بحماية الكيانات الكردية على الأرض، ما يفتح المجال أمام تسوية محدودة أو تفاهمات موضعية في شرق الفرات. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى كليًا عن شركائها المحليين، لكنها ترسل إشارات بأنها قد تعيد ترتيب أوراقها بما يخدم التوازن مع تركيا، خصوصًا إذا ما أبدت الإدارة السورية الجديدة نية للتفاهم حول المسألة الكردية بطريقة تضمن تهدئة الحدود السورية-التركية.
السياق الإقليمي والرسائل الاستراتيجية
الانسحاب أيضًا يحمل بُعدًا يتصل بالرسائل الموجهة إلى إيران وروسيا. فالولايات المتحدة لا ترغب في البقاء في ساحة باتت تميل أكثر إلى النفوذ الروسي-الإيراني، ولا ترى فائدة في استنزاف وجودها في منطقة لم تعد تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحها، خاصة بعد انتهاء حقبة تنظيم الدولة.
ومع ذلك، فإن الإبقاء على بعض الجنود في قواعد استراتيجية، واستمرار الطلعات الجوية الأمريكية في الأجواء السورية، يشيران إلى أن واشنطن تريد أن تُبقي لنفسها موطئ قدم، يسمح لها بالتدخل السريع إن لزم الأمر، أو التأثير في مجريات أي تسوية سياسية قادمة.
إعادة تموضع سياسي وعسكري
إذن، تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا هو خطوة استراتيجية محسوبة، تعكس رغبة في الانسحاب الجزئي من مستنقع معقد، دون التخلّي الكلي عن النفوذ. هي أيضًا ورقة تفاوض تُستخدم مع الإدارة السورية الجديدة، ومع تركيا، التي تُعد الآن شريكًا محوريًا في أية ترتيبات مستقبلية في شمال سوريا. ما يجري ليس انسحابًا بالمعنى الكلاسيكي، بل إعادة تموضع سياسي وعسكري يراعي التطورات الجديدة، ويهدف إلى الحفاظ على قدر من التأثير بأقل كلفة ممكنة.






