في خطوة دبلوماسية لافتة، التقى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم الإثنين، الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ تولي الطرفين منصبيهما، وتأتي في أعقاب تغيّرات سياسية إقليمية كبرى، أبرزها سقوط نظام بشار الأسد وما تبعه من انكماش واضح في النفوذ الإيراني داخل لبنان، خاصة بعد ما عُرف بطوفان الأقصى، الذي خلخل توازنات القوى في المشرق العربي.
الزيارة حملت طابعًا رمزيًا عميقًا، فضلًا عن أبعادها السياسية. فقد كان مشهد استقبال الرئيس الشرع لنواف سلام في قصر الشعب دالًّا على رغبة دمشق في طيّ صفحة الماضي، والانخراط في مقاربة جديدة للعلاقات مع بيروت، تقوم على الندية والتعاون المؤسساتي، بدلًا من علاقة الهيمنة التي طبعت العقود السابقة.
المحادثات بين الطرفين شملت ملفات عدة، أبرزها ترسيم الحدود، والتعاون الأمني، وإعادة تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية التي جُمّدت خلال فترة الحرب السورية. كما تطرّق الجانبان إلى ملف اللاجئين السوريين في لبنان، وسط مؤشرات على إمكانية التوصل إلى تفاهمات تدريجية لإعادتهم، بالتوازي مع عمليات إعادة الإعمار التي بدأت دمشق بالسعي الحثيث نحوها، بدعم من قوى إقليمية ودولية باتت ترى في الاستقرار السوري شرطًا لازمًا لاستقرار الجوار اللبناني.
على المستوى السياسي، تعكس هذه الزيارة بداية مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، يُنتظر أن تتسم بقدر أكبر من التوازن. فالساحة اللبنانية لم تعد خاضعة كما كانت سابقًا لمحور النفوذ الإيراني، خاصة بعد التراجع الملحوظ في دور حزب الله داخليًا، بفعل الضغط الشعبي من جهة، وتحوّلات التموضع الإقليمي لطهران من جهة أخرى. كما أن دمشق اليوم، بقيادة أحمد الشرع، تحاول أن تعيد تموضعها كفاعل وطني سوري مستقل، يسعى إلى علاقات متوازنة مع جيرانه بدلًا من أن يكون امتدادًا لمحاور خارجية.
في هذا السياق، يمكن القول إن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية مرشح للتحسّن التدريجي، خصوصًا إذا ما استطاع الجانبان النأي بأنفسهما عن إرث الماضي الثقيل، وتغليب لغة المصالح المشتركة. فلبنان بحاجة إلى ظهر إقليمي مستقر لمواجهة أزماته المالية والاجتماعية المتفاقمة، وسوريا في المقابل تحتاج إلى بوابة اقتصادية ومصرفية تنعش اقتصادها المنهك.
لكن التحديات لا تزال قائمة، لا سيما في ظل هشاشة الداخل اللبناني، وتعدّد القوى الإقليمية المتداخلة في الملف السوري. كما أن مصير العلاقة سيكون مرتهنًا إلى حد بعيد بمآلات التفاهمات الكبرى في المنطقة، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقات السعودية – الإيرانية، والدور التركي، والموقف الأميركي من السلطة الجديدة في دمشق.
ومع ذلك، فإن ما بدا اليوم في دمشق يُعدّ لحظة تأسيسية، قد تحمل في طياتها ملامح شرقٍ عربيّ جديد، يتلمّس طريقه نحو إعادة بناء شبكات التعاون بعد عقدٍ من التشظي والصراعات.






