رحل ديك تشيني عن 84 عامًا، لكنّ ظلاله الثقيلة ما زالت تحوم فوق ذاكرة الشرق الأوسط، وفوق جدران واشنطن نفسها. فالرجل الذي وصفه مؤرخو الرئاسة الأميركية بأنه “أقوى نائب رئيس في تاريخ الولايات المتحدة”، لم يكن مجرد مسؤولٍ ظلّ في ظلّ جورج بوش الابن، بل كان العقل المدبّر وراء أكثر الحروب إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين: غزو العراق عام 2003.
أعلنت عائلته الثلاثاء وفاته متأثرًا بمضاعفات الالتهاب الرئوي وأمراض القلب، بعد مسيرةٍ سياسية امتدت لأربعة عقودٍ أعاد خلالها تعريف العلاقة بين البيت الأبيض والحرب، وبين السلطة والأمن القومي. غير أن هذا الرحيل لم يكن كغيره من رحيل الساسة؛ إذ ترافق مع صمتٍ رسميٍّ أميركي لافت، يعكس ربما ثِقل الإرث الذي تركه الرجل على الضمير الوطني لبلاده.
بين البيت الأبيض والظلّ
وُلد ديك تشيني في ولاية وايومنغ الهادئة، بعيدًا عن مراكز القرار والنفوذ، لكنه سرعان ما شقّ طريقه إلى قلب واشنطن، ليصبح واحدًا من أقوى الوجوه في المؤسسة الجمهورية الأميركية. بدأ حياته السياسية في سبعينيات القرن الماضي مساعدًا في إدارة نيكسون، ثم ارتقى بثباتٍ داخل دهاليز السلطة، متقنًا لعبة البيروقراطية بذكاءٍ باردٍ وقدرةٍ نادرة على المناورة خلف الكواليس.
في الكونغرس، أثبت تشيني مهارته في إدارة التحالفات والملفات المعقدة، قبل أن يتولّى وزارة الدفاع في عهد جورج بوش الأب، حيث أشرف على حرب الخليج الأولى (1991)، وخرج منها بسمعة رجلٍ حازم يعرف كيف يستخدم القوة الأميركية بفعالية وبدون تردّد. كانت تلك التجربة أول اختبارٍ حقيقي لصيغة «الحرب النظيفة» التي آمن بها — حربٌ سريعة، منضبطة، ومن دون كلفة سياسية داخلية — وهو النموذج الذي سيعود إليه لاحقًا في غزو العراق.
لكن التحوّل الحقيقي في مسيرة تشيني جاء مع تولّيه منصب نائب الرئيس لجورج بوش الابن عام 2001، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الأميركي الحديث.
فبعد هجمات 11 سبتمبر، تحوّل مكتب تشيني في الجناح الغربي إلى مركز القرار الأمني الفعلي؛ هناك كانت تُصاغ سياسات الحرب على الإرهاب، وتُدار الملفات الاستخباراتية، وتُكتب المسوّغات القانونية للتعذيب والمراقبة والتدخلات الخارجية.
كان بوش الابن الواجهة العلنية، لكن تشيني كان اليد التي تُوجّه خلف الستار — الرجل الذي يُفضّل الظلّ على الضوء، ويعتبر السلطة الحقيقية هي تلك التي لا تُرى.
رأى تشيني أن أميركا فقدت هيبتها بعد فضيحة ووترغيت، وأن الكونغرس والرقابة المدنية كبّلا يد السلطة التنفيذية. فعمل على إعادة بناء الرئاسة كقلعةٍ حصينة، مركزها البيت الأبيض وسلاحها “الحق في الحرب”.
وفي سبيل ذلك، لم يتردد في تجاوز الأعراف الدستورية، أو في تهميش وزارة الخارجية، أو حتى في إعادة تعريف مفهوم “العدو”. بالنسبة له، لم يكن القانون الدولي سوى قيدٍ على ما يراه ضرورة قومية.
تحت إشرافه، توسّع نفوذ الأجهزة الاستخباراتية، وتحوّل الأمن إلى لغة الحكم، والسرّية إلى أداة السياسة.
كان تشيني يؤمن بأن التاريخ يصنعه الأقوياء، لا المترددون، وأن “الشر لا يُردع إلا بالقوة الوقائية”. ومن هذا الإيمان، وُلدت عقيدة أميركا الجديدة بعد 11 سبتمبر: الحرب كأداة دائمة للسلام، والخوف كوقودٍ للسلطة.
وهكذا، من مكتبٍ صغيرٍ في الجناح الغربي، أعاد ديك تشيني رسم ملامح القوة الأميركية — لا عبر الخطابات، بل عبر القرارات التي غيّرت وجه العالم لعقدين متتاليين.
مهندس الغزو… وصناعة “الخطر الوجودي”
بعد أحداث سبتمبر، وجد تشيني فرصته التاريخية لتطبيق رؤيته للأمن القومي، فأصبح من أشدّ الداعين إلى الحرب الاستباقية، وهي العقيدة التي منحت واشنطن الحق في ضرب أعدائها قبل أن يهاجموها.
وبينما كانت الشكوك حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق تتضخم في أروقة المخابرات، كان تشيني يدفع إدارة بوش بكل قوته نحو الغزو، مستندًا إلى “معلومات” ثبت لاحقًا زيفها.
في خطاباتٍ علنية، وصف صدام حسين بأنه تهديدٌ وجودي، وأن العراق “مركز الإرهاب العالمي”، ممهّدًا الطريق أمام حربٍ أطاحت بنظام بغداد لكنها فتحت الباب على فوضى لم تُغلق حتى اليوم.
كان تشيني مهندس “عقيدة الخوف”، التي بررت المراقبة الشاملة والتعذيب في سجون سرّية، تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب”.
إرث الحرب… ومرآة الفشل
بعد عقدين على غزو العراق، ما زال إرث ديك تشيني يثقل الذاكرة الأميركية والعالمية، كجرحٍ مفتوحٍ في ضمير السياسة الحديثة. فالحرب التي قدّمها إلى الأميركيين كـ«ضرورة دفاعية» تحولت إلى واحدة من أكثر مغامراتهم الخارجية كلفةً وأطولها أثرًا.
فوفق تقديرات منظمات دولية مستقلة، قُتل أكثر من 200 ألف عراقي بصورة مباشرة، فيما تجاوز عدد المتضررين غير المباشرين الملايين، بين نازحٍ وجريحٍ ومفقود. أما الولايات المتحدة، فدفعت ما يقارب تريليوني دولار في حربٍ لم تُنتج استقرارًا ولا ديمقراطية، بل خلفت وراءها دولةً منهكة ومجتمعًا ممزقًا.
في الداخل الأميركي، لم تكن الخسائر أقل عمقًا. فقد تآكلت ثقة المواطن في مؤسساته، وتحوّلت الحرب إلى نقطة انقسامٍ سياسي دائم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حتى أصبحت مقياسًا لاختبار الضمير الوطني ذاته: هل ما قامت به أميركا كان دفاعًا عن النفس أم جريمة دولة؟
هذا الشرخ السياسي غذّى موجات الشعبوية لاحقًا، وأعاد تعريف علاقة الأميركيين بحكومتهم، بحيث غدا الأمن مبررًا دائمًا للتجاوز، والخوف سياسة قائمة بذاتها.
أما في الشرق الأوسط، فقد أعاد الغزو رسم الخريطة السياسية والطائفية بأقلام النار. انهار التوازن الذي حكم المنطقة لعقود، وتحوّلت العراق إلى مختبرٍ للفوضى التي أنجبت جماعات متطرفة، أبرزها تنظيم «داعش» الذي خرج من رماد الحرب نفسها. لم يعد الاحتلال الأميركي مجرد حدثٍ عابر، بل شرارة أعادت تدوير العنف بأشكال جديدة في سوريا واليمن وليبيا، حتى صار الحديث عن «الاستقرار» نفسه نوعًا من المفارقة.
تشيني، في نظر مؤيديه، هو الرجل الذي «حمى أميركا من هجمات جديدة» بعد 11 سبتمبر، والذي امتلك الشجاعة في مواجهة الخطر قبل وقوعه.
لكن في نظر منتقديه — وعددهم في الداخل والخارج لا يُحصى — هو رمز التحول المظلم في السياسة الأميركية: من دولة قانون إلى دولة خوف، من قيم الحرية إلى منطق القوة، ومن قيادةٍ أخلاقية إلى سلطةٍ تُحاكمها ضمائر الشعوب لا صناديق الاقتراع.
لقد سقط النظام العراقي، لكنّ ما بناه تشيني من فلسفة الخوف ما زال قائمًا — في قوانين المراقبة، وفي غوانتنامو، وفي السياسات التي لا تزال ترى العالم من خلال فوهة بندقية.






