تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الداعية إلى قبول صفقة تبادل المحتجزين مع حركة حماس، تمثل تحولاً لافتاً في المشهد السياسي والعسكري داخل إسرائيل، إذ تكشف عن فجوة متزايدة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية برئاسة بنيامين نتنياهو. فبينما يصر نتنياهو على ما يسميه “النصر المطلق” والتفاوض “تحت النار”، يظهر صوت عسكري بارز يدعو إلى انتهاز الفرصة المطروحة على الطاولة باعتبارها الطريق الواقعي لإطلاق سراح المحتجزين. هذا التباين يعكس صراعاً داخلياً في إسرائيل حول أولويات المرحلة: هل يتم التركيز على تحقيق مكاسب عسكرية في غزة، أم إعطاء الأولوية لإنقاذ المحتجزين عبر المسار التفاوضي.
تصعيد ميداني
المقترح الذي قبلته حماس ويحمل توقيع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، يضع نتنياهو أمام اختبار صعب. فهو يتضمن وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً بضمانات دولية، وفتح المجال لمفاوضات لاحقة، وهو ما اعتبرته الحكومة الإسرائيلية أقل من مطالبها، حيث تصر على إطلاق سراح جميع المحتجزين دفعة واحدة. هذه المواقف المتباينة تضع إسرائيل أمام معادلة معقدة: رفض الصفقة قد يعرض حياة المحتجزين للخطر ويزيد الضغط الشعبي على الحكومة، بينما قبولها قد يُنظر إليه من قبل اليمين الإسرائيلي على أنه تنازل لحماس وتقويض لشعار “النصر المطلق”.
على الأرض، يواكب هذا الجدل السياسي والعسكري تصعيد ميداني كبير في مدينة غزة. الجيش الإسرائيلي بدأ عملية تطويق واسعة للمدينة، مدعوماً بقصف جوي ومدفعي عنيف على أطرافها الشمالية والشرقية، وسط تدمير واسع للمباني والمنازل. وزير الدفاع يسرائيل كاتس أكد المضي في العملية العسكرية، بما يعني أن إسرائيل تسعى لتحقيق تقدم ميداني يرفع من سقفها التفاوضي. في المقابل، ترفض حماس الشروط الإسرائيلية وتصفها بأنها “شروط استسلام”، وهو ما يعكس إدراكها بأن استمرار الضغط العسكري يقترن أيضاً بضغط سياسي داخلي على حكومة نتنياهو.
إسرائيل أمام مفترق طرق
التفاوض “تحت النار” يعكس استراتيجية إسرائيلية معتادة، تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري والمناورة السياسية، لكن هذه المرة تواجه تحدياً مضاعفاً: فمن جهة هناك ضغط من الجيش وأجهزة الأمن التي ترى ضرورة التعامل بمرونة مع الصفقة، ومن جهة أخرى هناك ضغط دولي متزايد من الولايات المتحدة والوسطاء الذين يخشون من انهيار أي أفق لتسوية إنسانية. هذا الوضع يضع نتنياهو في زاوية ضيقة، إذ أن أي قرار سيتخذه ستكون له كلفة سياسية داخلية كبيرة، سواء فقدان ثقة الشارع الغاضب من طول أمد الحرب، أو اتهامات بالتفريط إذا قبل بالصفقة.
في التحليل العام، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق: التصعيد العسكري نحو اجتياح مدينة غزة يحمل مخاطر كبيرة على المستويين العسكري والإنساني، بينما الانخراط في صفقة جديدة قد يمنحها مكسباً آنياً يتعلق بالمحتجزين لكنه يُظهرها بمظهر الطرف الذي تراجع عن شروطه القصوى.
في المقابل، تراهن حماس على صلابة موقفها السياسي وعلى قدرتها على الاستفادة من الضغوط الدولية والداخلية في إسرائيل لتثبيت شروط أفضل. هذا الصراع بين المسارين، العسكري والسياسي، سيحدد مآلات المرحلة المقبلة، لكنه يكشف في جوهره عن أزمة عميقة في إدارة الحرب داخل إسرائيل وعن مأزق نتنياهو المتزايد بين شعارات “النصر المطلق” ومتطلبات الواقع السياسي والعسكري.






