في بيت والده القديم في قلب غزة، جلس الشاب وحيدًا بعد أن ودّع عائلته التي نزحت جنوبًا. كتب إلى صديقته الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس رسالة أشبه بالوصية، قال فيها إنه يريد أن يبقى ليودّع شوارع مدينته ويرثيها، حتى وإن اختلطت عظامه بترابها. لم يكن متيقنًا من الغد؛ هل سيدفعه الحنين إلى عائلته للسير على الطريق الساحلي الموحش نحو الجنوب؟ أم سيجد في قلبه الجرأة للبقاء وسط الدمار، إلى أن يصبح جزءًا من أرض غزة التي أحبها؟
الموت يراقب النازحين
على الطريق الساحلي، المشهد كان خانقًا. آلاف العائلات تتزاحم في سيارات متهالكة أو تسير على الأقدام، يحملون أكياسًا وحقائب صغيرة لم تسعفهم في نقل سوى ما خفّ من متاعهم. في إحدى السيارات المكدّسة، جلست أم تحاول عبثًا إقناع طفلها بترك ألعابه وكتبه خلفه، لكن دموعه كانت تجيب بدلًا عنه. خلف صمت الركاب، كان الخوف يسيطر على الجميع؛ خوف من أن تنهال عليهم قذيفة في أي لحظة، أو أن يختفي الطريق الذي يسلكونه تحت ركام غارة جديدة.
في مكان آخر، كانت فداء زياد تراقب طفلين يجلسان بجوار أمتعة عائلتهما في الشارع، بعد أن وصلوا مع جموع النازحين. حاول حسين أن يخفّف عن شقيقته فاطمة بالقول: “لا تقلقي يا فاطمة، انظري ما أجمل الطقس!”، في محاولة طفولية لستر حقيقة أن الطائرات فوقهم، وأن الموت يراقبهم من السماء. لم تكن فاطمة تصغي لكلامه بقدر ما كانت عيناها تترقبان، تبحثان عن أي مكان قد يمنحهما شعورًا عابرًا بالأمان.
صرخة مكتومة
ومن بين هذه الحشود، تبرز قصة شابة من عائلة السمّوني، التي نجت من مجزرة عام 2009 وما زالت تحمل شظايا في رأسها. هذه المرة الثامنة التي تنزح فيها مع أطفالها الثلاثة، لكن كلماتها كانت واضحة: “هذا النزوح أصعب من كل ما مضى”. قالت إنها كررت كلمة “صعب” أكثر من عشرين مرة، في محاولة لوصف شعور لم يعد يطيقه جسد أنهكته الحروب.
أما عبد الكريم عاشور، فقد لجأ إلى صفحته على فيسبوك، لكنه سرعان ما اعترف أن الكلمات لم تعد قادرة على التعبير. كتب: “الصور لا تكفي، والتقارير محدودة. الطريقة الوحيدة لفهم ما نعيشه هي أن تكون هنا، تسمع هدير الطائرات، وترتجف مع كل انفجار، وتختنق بالغبار والدخان”. ثم ختم كلماته بجملة بدت كصرخة مكتومة: “هنا غزة، حيث حتى الصمت يصرخ”.
في النهاية، لم يعد النزوح في غزة مجرّد انتقال من مكان إلى آخر. إنه رحلة موت جديدة، يسير فيها الناس من خوف إلى خوف، محمّلين بالذكريات التي اضطروا لتركها، وبالأمل الضئيل في أن يجدوا ملاذًا آمنًا، رغم أنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن الجنوب ليس أكثر من محطة مؤقتة على طريق طويل من المأساة.







