تتزايد المؤشرات على تعقّد الموقف داخل إسرائيل بشأن صفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس، في ظل رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التصويت على مقترح صفقة جزئية خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر، وهو ما فجر سجالاً بين الوزراء وكبار المسؤولين الأمنيين، وأثار غضب عائلات الأسرى الذين يرون في تردده تهديدًا لمصير ذويهم.
قرار نتنياهو بعدم طرح الموضوع للتصويت بدعوى أنه لم يكن مدرجًا على جدول الأعمال، عكس بحسب محللين رغبة متعمدة في تعطيل مسار المفاوضات. فقد نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عنه قوله إن “ما كان يمكن الموافقة عليه لم يعد كذلك بسبب الظروف الجديدة”، وهو تصريح يوحي بتحول في حساباته السياسية والعسكرية. وزاد من الغموض اقتباسه عن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب رفض الصفقات الجزئية والدعوة إلى “إنهاء الأمر في غزة بالقوة”، ما يعكس ميلاً واضحًا لتغليب الخيار العسكري على المسار التفاوضي.
إخضاع حماس
لكن داخل الاجتماع ذاته، برزت مواقف متباينة؛ إذ دعا وزير الخارجية جدعون ساعر إلى التعامل الإيجابي مع الصفقة الجزئية، في حين عارضها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزراء آخرون من اليمين المتشدد. أما المؤسسة الأمنية والعسكرية، فقد عبّرت عن دعمها لخيار الصفقة، محذّرة من أن استمرار الحرب البرية في غزة لن يؤدي إلى إخضاع حماس، بل قد يُفقد إسرائيل ورقة التفاوض. وبلغ التوتر ذروته حين سخرت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك من رئيس الأركان إيال زامير ووصمته بالجبن، فردّ عليها مؤكّدًا أنه اتخذ “قرارات شجاعة وغير مسبوقة”، في مشهد يعكس الانقسام الحاد داخل دوائر صنع القرار.
من جانبها، صبّت عائلات الأسرى غضبها على نتنياهو، ووصفت نهجه بأنه ليس إستراتيجية تفاوض بل “إستراتيجية إفشال”، متهمة إياه بالتضحية بالأسرى والجنود في سبيل بقائه السياسي. فالمقترح الذي وافقت عليه حماس قبل أسابيع –وتطابق مع صيغة سبق أن وافقت عليها إسرائيل– ما زال عالقًا بسبب شروط جديدة يفرضها نتنياهو في كل جولة، وهو ما تعتبره المعارضة دليلاً على رغبته في إطالة أمد الحرب لتجنب المساءلة الداخلية وتعزيز موقعه أمام شركائه المتشددين.
جنود الاحتياط
الباحث في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد يرى أن نتنياهو ينظر إلى الخطة الأميركية المتعلقة بالتهجير والاستثمار في غزة كفرصة لتحميل واشنطن العبء الأكبر، مما يمنح تل أبيب حرية أكبر في تأجيل مسار التفاوض. وبحسب قراءته، فإن نتنياهو لا يريد صفقة توقف الحرب بل ربما يقبل فقط بصيغة مؤقتة تسمح باستمرار العمليات العسكرية لاحقًا.
تزامن ذلك مع استعداد الجيش لتجنيد نحو 60 ألف جندي احتياط بهدف إفساح المجال أمام التوغل البري في القطاع، وهو ما يثير قلق بعض الأوساط العسكرية التي ترى أن الكابينت لم يفتح نقاشًا جديًا حول جاهزية القوات أو كلفة هذه العملية. هذا الاستعداد الميداني يعكس إصرار نتنياهو على الخيار العسكري، حتى لو كان على حساب ملف الأسرى.
حسابات نتنياهو الشخصية
يظهر المشهد الإسرائيلي أسير تناقضات حادة بين الاعتبارات الأمنية والضغوط العائلية والمعارضة السياسية، في مقابل حسابات نتنياهو الشخصية التي تدفعه لعرقلة أي اتفاق قد يُنظر إليه باعتباره نهاية للحرب دون تحقيق إنجاز عسكري ملموس. وبينما يتصاعد التوتر الداخلي، يظل مصير الأسرى رهينة صراع النفوذ داخل الكابينت، وموازنة معقدة بين الرغبة في الحسم العسكري والخوف من تداعيات استمرار النزيف البشري والسياسي.






