في تطورٍ وُصف بأنه من أكبر الضربات الميدانية منذ أشهر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن “القضاء الكامل” على مجموعة من القوات الخاصة الأوكرانية في مدينة بوكروفسك الواقعة شرق أوكرانيا، المدينة التي تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى محور اشتباك حاسم بين موسكو وكييف.
رسائل ميدانية واستراتيجية
هذه العملية لم تمر مرور الكرام؛ إذ حملت رسائل ميدانية واستراتيجية عميقة، تعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل فقدت أوكرانيا أحد أهم أذرعها العسكرية في الشرق؟
جاء الإعلان الروسي متزامنًا مع تصاعد المعارك في دونيتسك، حيث تسعى موسكو للسيطرة الكاملة على منطقة دونباس، فيما تحاول كييف التمسك بما تبقى من مواقعها الدفاعية في الغرب.
اللافت أن موسكو تحدثت بتفصيل غير معتاد عن العملية، مشيرة إلى أن إحدى وحدات المخابرات العسكرية الأوكرانية نُقلت جوًا بطائرة “بلاك هوك” في محاولة لوقف التقدم الروسي، لكن جميع عناصرها البالغ عددهم أحد عشر جنديًا قُتلوا في الميدان.
الواقعة أثارت جدلًا في الأوساط العسكرية والإعلامية الغربية، خصوصًا وأن القوات الخاصة الأوكرانية تُعد رأس الحربة في العمليات الهجومية والدفاعية الحساسة، فهذه الوحدات خاضت خلال العامين الماضيين عمليات نوعية ضد خطوط الإمداد الروسية، وحققت نجاحات تكتيكية محدودة لكنها مؤثرة. واليوم، يُعتقد أن خسارتها في بوكروفسك قد تمثل نقطة تحول في ميزان القوى التكتيكي.
ورغم أن كييف لم تؤكد الرواية الروسية بشكل رسمي، فإن مصادر أوكرانية وصفت المعارك في المنطقة بأنها “الأعنف منذ شهور”، في إشارة إلى أن العملية لم تكن مجرد اشتباك عابر، بل معركة منظمة استهدفت وحدة عالية التدريب والسرية.
من هم مقاتلو الظل؟
القوات الخاصة الأوكرانية – المعروفة اختصارًا بـ(SSO) – تشكلت بعد عام 2016 كذراع نخبوية تحت إشراف المخابرات العسكرية، وتُعد من أكثر الوحدات تدريبًا وتجهيزًا في الجيش الأوكراني، وكانت مهمتها تنفيذ العمليات الخاصة خلف خطوط العدو، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتوجيه ضربات محددة ضد مراكز القيادة الروسية. هذه القوات اكتسبت شهرتها خلال معارك دونباس الأولى، ثم توسع دورها بعد اندلاع الحرب الشاملة في فبراير 2022.
طوال العامين الماضيين، لعبت هذه الوحدات دورًا محوريًا في الهجمات التي استهدفت خطوط الإمداد الروسية، ومخازن الذخيرة، والمطارات العسكرية في القرم، كما شاركت في عمليات تحرير مناطق قرب خاركيف وخيرسون، وأصبحت رمزًا للقدرة الأوكرانية على المبادرة الميدانية. لكن هذا الدور جعلها أيضًا هدفًا مباشرًا للروس، الذين عملوا على رصد تحركاتها بدقة واستهدافها بأسلحة دقيقة.
العملية الأخيرة في بوكروفسك تكشف أن موسكو ربما نجحت في توجيه ضربة استخباراتية قبل أن تكون عسكرية. فطريقة نقل المجموعة بطائرة بلاك هوك، وهبوطها في منطقة مفتوحة، ثم استهدافها السريع، تشير إلى أن الروس كانوا على علم مسبق بمكان الإنزال. هذا يفتح الباب أمام تساؤلات حول وجود اختراق استخباراتي أو تسريب معلومات من داخل المنظومة الأوكرانية.
وإذا صحت هذه الفرضية، فإن أوكرانيا لا تواجه مجرد خسارة ميدانية، بل أزمة ثقة في منظومتها الأمنية، ما يهدد بكشف مواقع وحدات أخرى من قوات النخبة التي تعتمد عليها كييف في إدارة المعارك خلف خطوط العدو.
بوكرُفسك.. ساحة الاختبار الأخطر
من الناحية الجغرافية، تُعد بوكروفسك بوابة الدخول إلى غرب دونيتسك، وهي منطقة حيوية لخطوط الإمداد الأوكرانية التي تربط الجبهة الشرقية بالعاصمة كييف عبر شبكات النقل والسكك الحديدية، ولذلك فإن فقدان السيطرة عليها يعني عمليًا تضييق الخناق على القوات الأوكرانية المنتشرة في المدن المجاورة مثل كراماتورسك وسلوفيانسك.
الهجوم الروسي الأخير على بوكروفسك لم يكن مجرد عملية محدودة، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى تطويق المدن الأوكرانية المتبقية في دونيتسك وحرمانها من الإمدادات.
في هذا السياق، كانت مهمة القوات الخاصة الأوكرانية منع الروس من التقدم عبر شن هجمات مضادة خاطفة من خلف الخطوط، وهو تكتيك استخدمته كييف سابقًا بنجاح.
لكن الفارق هذه المرة أن موسكو بدت أكثر استعدادًا. فقد استخدمت طائرات استطلاع بدون طيار لتحديد تحركات المروحيات، وأطلقت صواريخ دقيقة من طراز “إسكندر” و“لانست” لاستهداف منطقة الإنزال فورًا. وبحسب الرواية الروسية، تم القضاء على كامل الوحدة خلال دقائق معدودة من هبوطها.
هذا السيناريو، حتى وإن كان مبالغًا فيه من وجهة نظر كييف، يشير إلى مستوى من التنسيق الاستخباراتي والتكنولوجي الروسي المتطور الذي لم يكن حاضرًا بهذا الشكل في المراحل الأولى من الحرب.
انهيار “التكتيك الذهبي” لكييف
تعتمد أوكرانيا منذ أكثر من عام على تكتيك “الضرب الخاطف”، أي إرسال مجموعات صغيرة من القوات الخاصة لتنفيذ عمليات محدودة وسريعة ثم الانسحاب قبل أن تتمكن القوات الروسية من الرد. هذا الأسلوب ساعدها على إرباك خطوط الإمداد الروسية وإطالة أمد المعارك.
لكن مع التطور الملحوظ في قدرات الاستطلاع الروسية، باتت هذه المجموعات مكشوفة أكثر من أي وقت مضى. الطائرات المسيّرة الروسية ترصد كل حركة تقريبًا في الجبهة، ما جعل تنفيذ هذه العمليات محفوفًا بالمخاطر، ولهذا يرى بعض المحللين أن معركة بوكروفسك قد تمثل “نهاية مرحلة” في أسلوب القتال الأوكراني القائم على المجموعات الخاصة المتحركة.
إضافة إلى ذلك، فإن فقدان وحدة نخبوية كاملة قد يؤثر نفسيًا على بقية وحدات النخبة التي تعمل في الجبهة الشرقية، ويحدّ من قدرتها على تنفيذ مهام جريئة، فهذه القوات تعتمد بدرجة كبيرة على روح المغامرة والثقة المطلقة في الدعم الاستخباراتي والتقني، وأي اهتزاز في هذه الثقة ينعكس مباشرة على الأداء.
تقول مصادر عسكرية أوكرانية إن وحدات أخرى بدأت بالفعل تغيير مواقعها بعد تسرب أنباء عن استهداف هذه المجموعة، وهو ما يعكس حجم القلق داخل القيادة الميدانية الأوكرانية من أن تكون العملية الروسية جزءًا من حملة أوسع لتعقب وحدات النخبة.
إنجاز استخباراتي قبل أن يكون ميدانيًا
يرى الخبير العسكري الروسي ألكسندر ميخايلوف أن عملية بوكروفسك تمثل “تحولًا نوعيًا في قدرة الجيش الروسي على العمل الاستخباراتي المسبق”.
يقول ميخايلوف إن “القضاء على وحدة كاملة من القوات الخاصة الأوكرانية لم يكن ممكنًا لولا توافر معلومات دقيقة عن توقيت ومكان إنزالها، وهو ما يشير إلى نجاح موسكو في اختراق الشبكات اللوجستية الأوكرانية أو مراقبة اتصالاتها عبر الأقمار الصناعية”.
ويضيف أن “هذه العملية تؤكد أن الجيش الروسي بات يمتلك منظومة استخبارات ميدانية متكاملة، تشمل الطائرات المسيّرة وأجهزة الرصد الحراري، وأن موسكو استطاعت تحويل التفوق التكنولوجي إلى نتائج ميدانية ملموسة”.
من وجهة نظر ميخايلوف، فإن نجاح روسيا في تصفية هذه المجموعة يوازي في رمزيته سقوط مواقع استراتيجية، لأن هذه الوحدات كانت تمثل أحد أعمدة التكتيك الأوكراني المرن الذي أربك موسكو طويلًا.
ويختم قائلاً: “من الآن فصاعدًا، ستكون القوات الخاصة الأوكرانية تحت مراقبة دائمة، وستفقد عنصر المفاجأة الذي كان يمنحها الأفضلية”.
خسارة تكتيكية لا تغير المعادلة
في المقابل، يرى الخبير الأمني الأوكراني تاراس تشورنوفيل أن ما حدث في بوكروفسك لا يُعد “نكسة استراتيجية”، بل “خسارة تكتيكية محدودة” في إطار معارك معقدة ومتغيرة.
يقول تشورنوفيل إن “القوات الخاصة الأوكرانية تعمل في عشرات الجبهات، وما حدث لا يمثل سوى حادثة واحدة في سلسلة عمليات مستمرة، بعضُها نجح وبعضُها فشل”.
ويشير إلى أن أوكرانيا “تعتزم إعادة تقييم تكتيكات الإنزال الجوي وتطوير أدوات التمويه والاتصالات لتقليل احتمالات الرصد الروسي”، مؤكدًا أن “القيادة العسكرية ستواصل الاعتماد على هذه الوحدات لأنها جزء من عقيدتها القتالية”.
كما يلفت إلى أن “روسيا تحاول تضخيم الحدث إعلاميًا لإضعاف معنويات القوات الأوكرانية”، مضيفًا أن “الحرب النفسية باتت جزءًا لا يتجزأ من الصراع الدائر”.
ويختتم تشورنوفيل تحليله بالقول: “القوات الخاصة الأوكرانية ستتكيف، وربما تخرج من هذه التجربة أكثر حذرًا واحترافًا”.






