تعيش الدبلوماسية الأوكرانية واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ اندلاع الحرب في عام 2022، بعدما فاجأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب كييف وشركاءها بخطة سلام من 28 بنداً تحمل في جوهرها تنازلات إقليمية ضخمة، وتضع مستقبل البلاد الأمني والسياسي على طاولة مقايضات ثقيلة.
موقف حاسم من واشنطن
بينما تبدو واشنطن حاسمة في موقفها، يصر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الرفض، في محاولة للتمسّك بمبدأ السيادة ورفض أي تسوية «مهينة» كما وصفها أمام شعبه، وهذا الرفض وضعه أمام معادلة معقدة: إما الرضوخ لطموحات واشنطن، أو مواجهة حرب تستنزف ما تبقى من قدرات الدولة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه موسكو ترحيباً كاملاً بالخطة الأميركية، بدا واضحاً أن الكرملين قرأ المقترح باعتباره انتصاراً سياسياً قبل أن يكون تسوية عسكرية. فبنود الخطة، كما تسرّبت للصحافة، تمنح روسيا اعترافاً واسعاً بأراضٍ ضمتها بالقوة، وتفرض على أوكرانيا تقليص قواتها وتجميد جهود الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. ورغم ذلك، ترى موسكو أن الخطة ليست سوى نقطة بداية، وأن التفاصيل يمكن أن تكون مجالاً لأشهر من المساومات السياسية.
وفي المقابل، وجد الأوروبيون أنفسهم أمام صدمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعدما استبعدتهم واشنطن للمرة الثانية من بلورة مقترح للسلام في قلب القارة الأوروبية. ومع أن باريس وبرلين ولندن سارعت إلى إعلان دعمها لـ«سلام عادل ودائم»، فإن هذا الدعم بدا مشروطاً بقدرة كييف على الحفاظ على سيادتها، وسط مخاوف من أن يؤدي الضغط الأميركي إلى انقسام داخل أوروبا نفسها.
وفي ظل هذا التوتر، تحوّلت قمة العشرين في جوهانسبرغ إلى منصّة لمشاورات طارئة، بعدما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لقاءً مغلقاً بين القادة الأوروبيين لمناقشة مستقبل أوكرانيا في ضوء الخطة الأميركية. وبرغم الدعوات الأوروبية لتنسيق المواقف، يبدو أن التباينات عميقة، وأن الحلفاء لم يعودوا متفقين على تعريف «السلام العادل».
زيلينسكي بين الرفض والمخاطرة
أمام هذه المعادلة الصعبة، اختار زيلينسكي الرفض العلني والسريع للخطة، مؤكداً أن التنازل عن الأراضي أو التخلي عن مسار الانضمام للناتو ليس خياراً مطروحاً.
وفي كلمة مباشرة إلى الأمة، قال إن أوكرانيا تواجه «لحظة وجودية»، مشيراً إلى أن بلاده لن تقبل «حياة بلا حرية وبلا كرامة وبلا عدالة». هذا الخطاب، رغم قوته، عكس أيضاً عمق الأزمة التي تواجهها كييف، بعدما أصبحت تعتمد بالكامل تقريباً على الدعم العسكري والمالي القادم من الغرب.
وجاء رد ترمب سريعاً وحاداً، قائلاً للصحافيين إن «الخطة يجب أن تعجب زيلينسكي»، وإن الخيار الآخر أمام أوكرانيا هو «مواصلة القتال إلى أجل غير معلوم».
هذا التصريح اعتبره دبلوماسيون أوروبيون مؤشراً على سياسة جديدة في البيت الأبيض قائمة على الحزم وربما الإكراه، خصوصاً مع حديث الرئيس الأميركي عن «مهلة نهائية» تنتهي في 27 نوفمبر، بالتزامن مع عيد الشكر في الولايات المتحدة.
وزادت حدة الضغوط على أوكرانيا حين أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن «أي تصور لانتصار أوكرانيا عبر مزيد من الأسلحة أو العقوبات ليس واقعياً»، في إشارة واضحة إلى رغبة واشنطن في إغلاق ملف الحرب قبل نهاية العام، وبكلمات أخرى، فإن الإدارة الأميركية باتت ترى في استمرار الحرب عبئاً مالياً واستراتيجياً لم يعد مقبولاً في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، يجد زيلينسكي نفسه مطالباً بإقناع الحلفاء بخطط بديلة للسلام، وبأن تظل أوكرانيا دولة قادرة على الدفاع عن حدودها، دون أن تصبح عبئاً دائماً على واشنطن وبروكسل، لكن مهمة كهذه تبدو محفوفة بالمخاطر، خصوصاً مع وصول الحرب إلى عامها الرابع وخسارة كييف لمناطق جديدة في الشرق والجنوب خلال الأشهر الماضية.
موسكو تدخل على الخط بثقة متزايدة
تزامن الرفض الأوكراني مع تصريحات روسية صاخبة، إذ أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن الخطة الأميركية «أساس ممتاز» لتسوية كاملة، مشيراً إلى أنه مستعد لمناقشة التفاصيل كافة من دون شروط مسبقة.
هذا الترحيب المفاجئ أعطى مؤشراً واضحاً إلى أن موسكو ترى في المقترح الأميركي فرصة لإضفاء شرعية دولية على مكاسبها العسكرية خلال السنوات الماضية.
وذهب بوتين أبعد من ذلك حين لوّح بإمكانية «تكرار سيناريو كوبانسك» في مناطق أخرى إذا رفضت كييف الخطة. هذا التهديد، الذي جاء بعد إعلان الجيش الروسي السيطرة على المدينة الواقعة شرق البلاد، بدا رسالة مباشرة إلى زيلينسكي بأن استمرار الحرب قد يقود إلى خسائر أكبر، خصوصاً مع عدم وجود ضمانات غربية لزيادة الدعم العسكري.
وبعيداً عن التصريحات العلنية، تشير المؤشرات السياسية إلى أن موسكو ترى في الضغط الأميركي الحالي فرصة لإجبار كييف على الاعتراف بالحدود الجديدة التي رسمتها القوات الروسية، والتي تشمل لوغانسك ودونيتسك والقرم.
كما تمنح الخطة روسيا سيطرة دائمة على أجزاء واسعة من خيرسون وزابوريجيا، مقابل تنازلات طفيفة في مناطق هامشية كانت قد سيطرت عليها لفترات قصيرة.
هذه الدينامية الجديدة دفعت خبراء إلى مقارنة اللحظة الراهنة بمؤتمر «يالطا» بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أعادت القوى الكبرى رسم خريطة أوروبا، وبينما كانت واشنطن تعارض ذلك سابقاً، يبدو أنها باتت مستعدة لإقرار واقع جديد إذا كان ذلك سينهي الحرب بسرعة.
أوروبا في مأزق استراتيجي
في خضم هذه التطورات، تواجه أوروبا أزمة ثقة عميقة مع واشنطن، بعدما تكرر تهميش دورها في صياغة المبادرات المتعلقة بأكبر نزاع في القارة منذ 1945، فالعواصم الأوروبية، رغم دعمها العسكري والسياسي العلني لكييف، تخشى في الوقت نفسه من مواجهة مباشرة مع روسيا إذا انهارت أوكرانيا عسكرياً.
وبينما تدفع بريطانيا وفرنسا باتجاه ضمانات أمنية أكثر صرامة في أي اتفاق نهائي، تظهر ألمانيا تردداً أكبر، إذ تخشى أن تتحول الخطة الأميركية إلى سابقة خطيرة تسمح بتغيير الحدود بالقوة في أوروبا، وفي الوقت ذاته، تحاول بروكسل الحفاظ على خطاب موحد، لكنها تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة من دول شرق أوروبا التي ترى في أي تنازل تهديداً لأمنها.
كما يخشى الأوروبيون من أن يؤدي الدعم الأميركي المتذبذب إلى ترك كييف وحيدة في مواجهة روسيا، خصوصاً أن القدرة الأوروبية على تمويل أوكرانيا أو تسليحها بمفردها لا تزال محدودة، وتؤكد مصادر أوروبية أن اجتماع قمة العشرين قد يكون نقطة التحول، إما نحو توحيد المواقف أو نحو شرخ كبير بين ضفتي الأطلسي.
ورغم محاولات الأوروبيين وضع خطوط حمراء، فإن الواقع الميداني والسياسي قد يفرض عليهم القبول بتسوية لا تتوافق تماماً مع رؤيتهم، وهذا ما يجعل موقف زيلينسكي أكثر صعوبة، إذ يقترب تدريجياً من لحظة القرار التي قد تحدد مستقبل أوكرانيا لعقود.
كيف يقرأ الغرب الضغط الأميركي؟
يرى د. مارك غرين، أستاذ العلاقات عبر الأطلسي في جامعة جورجتاون، أن التحول في السياسة الأميركية يعكس رؤية جديدة داخل البيت الأبيض تعتبر أن الحرب في أوكرانيا فقدت قدرتها على خدمة المصالح الأميركية.
ويشير إلى أن إدارة ترمب تريد إنهاء النزاع قبل عام 2026، على اعتبار أن الاستنزاف المالي والدبلوماسي لم يعد مقبولاً في ظل صعود ملفات أكثر إلحاحاً مثل التنافس مع الصين وأمن الحدود. ويعتقد غرين أن الضغط على كييف ليس مجرد تكتيك بل «استراتيجية طويلة المدى» لإعادة توزيع الموارد الأميركية.
ويضيف غرين أن أوروبا تشعر بقلق بالغ من أن تتحول الخطة الأميركية إلى نموذج لفرض التسويات بالقوة، خصوصاً أن موسكو ترى فيها انتصاراً، وبرأيه، فإن السؤال الأكبر اليوم ليس ما إذا كانت أوكرانيا ستوافق، بل كيف سيؤثر ذلك على شكل المنظومة الأمنية الأوروبية، وما إذا كان هذا النهج سيشجع قوى أخرى على استخدام القوة لفرض وقائع جديدة.
وبحسب غرين، فإن قدرة زيلينسكي على الرفض محدودة جداً. فاقتصاد أوكرانيا منهك، والجيش يخسر مواقع ميدانية، والدعم الغربي بات مشروطاً، ويرى أن رفض كييف قد يؤدي إلى تراجع في المساعدات الأميركية، وهو ما سيجعل الجيش الأوكراني عاجزاً عن الصمود على خطوط الجبهة. ولذلك، يعتبر الخبير أن زيلينسكي «محاصر بقرارين كلاهما مُرّ».
ويخلص غرين إلى أن ما يحدث الآن هو لحظة تاريخية قد تحدد مستقبل الأمن الأوروبي لعقود، فإذا تمت الموافقة على الخطة بصيغتها الحالية، فإن أوروبا ستكون أمام سابقة جديدة تُعيد تعريف مبادئ السيادة والحدود. وإذا رُفضت، فقد يستمر النزاع سنوات إضافية، في ظل غياب رؤية واضحة لإنهاء الحرب.
أوكرانيا بين «حياة بلا كرامة» و«حرب بلا نهاية»
تقول إيلينا كولاروفا إن خطاب زيلينسكي الذي تحدث فيه عن «حياة بلا كرامة» يعكس عمق الصدمة داخل كييف تجاه مضمون الخطة الأميركية، وتؤكد أن أوكرانيا ترى في البنود الخاصة بالحدود تنازلاً خطيراً قد يقضي على آمالها في استعادة وحدة أراضيها. كما تشير إلى أن كييف تشعر بأن واشنطن بدأت تتعامل معها باعتبارها عبئاً جيوسياسياً، وليس شريكاً في معركة استراتيجية ممتدة ضد روسيا.
وترى كولاروفا أن روسيا دخلت مرحلة جديدة من الثقة، بعدما أدركت أن الغرب لم يعد راغباً في الاستثمار طويل الأمد في الحرب، وتقول إن موسكو ترى في الخطة الأميركية «هدية سياسية» تسمح لها بالاحتفاظ بمكاسبها من دون تقديم تنازلات حقيقية، وفي الوقت نفسه تمنحها فرصة لشرعنة ضم الأراضي أمام المجتمع الدولي.
وتوضح الباحثة أن أوروبا هي الطرف الأكثر قلقاً في المعادلة، لأنها تدرك أن استقرار حدودها الشرقية يعتمد على نتيجة المفاوضات الحالية، وتشير إلى أن قبول أوكرانيا بالخطة يعني حرمان أوروبا من حائط الصدّ الذي شكلته كييف طوال سنوات الحرب، بينما الرفض قد يدفع القارة نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
وتتوقع كولاروفا أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطاً أكبر على كييف، مع تراجع أصوات الرفض داخل أوروبا وزيادة رغبة واشنطن في إغلاق الملف، لكنها تؤكد أن زيلينسكي قد يحاول كسب الوقت عبر تقديم مقترحات بديلة، إلا أن قدرة أوكرانيا على المناورة محدودة، ما يجعل «تسوية غير مثالية» هي السيناريو الأكثر احتمالاً.






