لم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعلن نيته استئناف التجارب النووية حتى دوّى الخبر كإنذار عالمي يعيد إلى الأذهان مشاهد الرعب النووي في زمن الحرب الباردة، فبعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد، قررت واشنطن إعادة تشغيل برنامجها النووي التجريبي، ما فتح الباب أمام سباق جديد نحو التسلح بين القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا والصين. العالم الذي عاش على أمل “الردع المتبادل” عاد فجأة ليجد نفسه على حافة مواجهة نووية محتملة.
تصاعد التوتر مع بكين وموسكو
الخطوة التي أعلنها ترمب على منصة “تروث سوشيال” جاءت في لحظة دقيقة من العلاقات الدولية، وسط تصاعد التوتر مع بكين وموسكو، وانقسامات حادة داخل حلف الناتو حول سياسات الردع والانتشار.
ولم تمرّ سوى ساعات حتى جاء الرد من الكرملين، عبر المتحدث الرسمي ديمتري بيسكوف، الذي اختار نبرة حذرة لكنها مشوبة بالقلق، مؤكداً أن روسيا لن تكون البادئة بالتجارب لكنها “ستفعل المثل إذا أقدمت واشنطن على ذلك”.
المشهد بدا كأنه استعادة لسيناريوهات الثمانينيات، عندما كان العالم يعيش تحت سحابة “الرعب النووي المتبادل”، لكن المختلف اليوم أن التكنولوجيا تطورت، والصواريخ أصبحت أسرع، وأنظمة القيادة والسيطرة أكثر تعقيداً، ما يعني أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة عالمية. وبينما تحاول موسكو إظهار رباطة جأشها، فإن تصريح ترمب أطلق فعلياً شرارة سباق تسلح جديد.
ومع اتساع دوائر الترقب، تتزايد التساؤلات: هل نحن أمام تحول استراتيجي يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي؟ أم أن ما أعلنه ترمب مجرد مناورة سياسية داخلية لإعادة شدّ الانتباه الأميركي إلى “الخطر الروسي” قبل الانتخابات المقبلة؟
واشنطن تبرر.. وموسكو تترقب
وفقاً لبيان البيت الأبيض، فإن قرار ترمب جاء “رداً على اختبارات تجريها دول أخرى”، في إشارة مبطّنة إلى روسيا وكوريا الشمالية وربما الصين، لكن المثير أن موسكو نفت علمها بوجود أي تجارب نووية جديدة في العالم، مؤكدة أنها تلتزم بوقف الاختبارات وفق المعاهدات الدولية. بيسكوف قالها بوضوح: «لم نتلقَّ أي إخطار من الولايات المتحدة، ولا نعلم بوجود تجارب نشطة».
هذا التناقض بين روايتي واشنطن وموسكو يعكس حالة فقدان الثقة التي باتت تحكم العلاقات بين القوتين النوويتين. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الأسلحة المتوسطة المدى عام 2019، وتجميد اتفاقية “نيو ستارت”، لم يعد هناك إطار قانوني فعّال يضبط سباق التسلح. لذا، فإن أي قرار أحادي من طرف يمكن أن يفتح الباب أمام سلسلة من الردود المتبادلة.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن تصريحات ترمب ليست مجرد “استعراض قوة”، بل محاولة لإرسال رسالة مزدوجة: إلى الداخل الأميركي حيث يتزايد الحديث عن ضعف الردع النووي، وإلى الخارج حيث تسعى واشنطن لإعادة فرض هيمنتها الاستراتيجية على النظام الدولي. وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة واحدة: تصعيد جديد يعيد شبح الحرب الباردة إلى الأفق.
أما في الكرملين، فالموقف الرسمي يميل إلى التهدئة اللفظية، لكن التجارب الصاروخية الروسية الأخيرة – مثل صاروخ “بوريفيستنيك” العامل بالطاقة النووية والطوربيد “بوسيدون” – تؤكد أن موسكو مستعدة لجميع السيناريوهات.
توازن الرعب يعود إلى الواجهة
منذ أكثر من نصف قرن، بنى العالم نظامه الأمني على معادلة “الردع النووي المتبادل”، أي أن امتلاك الطرفين القدرة على التدمير الشامل يضمن عدم استخدام السلاح نفسه. غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل مع التطور التكنولوجي، وسباق التسلح الصاروخي، ودخول أطراف جديدة تمتلك قدرات نووية غير خاضعة للرقابة الدولية.
الولايات المتحدة تمتلك اليوم قرابة 5400 رأس نووي، مقابل نحو 6000 لروسيا، بينما تطور الصين والهند وكوريا الشمالية ترساناتها بوتيرة متسارعة.
وبحسب تقارير مراكز الأبحاث، فإن العالم يشهد أكبر موجة تحديث للأسلحة النووية منذ انتهاء الحرب الباردة، مع تصاعد الإنفاق العسكري وتراجع الالتزامات بالمعاهدات الدولية.
تاريخياً، كان اتفاق حظر التجارب النووية الشاملة لعام 1996 يمثل آخر جدار أمان أمام هذا الانزلاق، لكنه لم يدخل حيّز التنفيذ الكامل، خاصة بعد رفض واشنطن وموسكو المصادقة عليه رسمياً. اليوم، يبدو هذا الاتفاق أقرب إلى وثيقة منسية في أرشيف الأمم المتحدة.
ومع إعلان ترمب الأخير، عاد الحديث مجدداً عن “توازن الرعب”، تلك الفكرة التي كانت تحكم كل حسابات الحرب والسلم في القرن العشرين، لكنها تعود الآن في سياق أكثر تعقيداً، حيث لم تعد التهديدات تقتصر على الصواريخ، بل تشمل الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي العسكري.
ما وراء القرار الأميركي
يرى بعض المحللين أن خطوة ترمب ليست وليدة اللحظة، بل تأتي في إطار توجه أوسع داخل المؤسسة العسكرية الأميركية لإعادة تأهيل البنية التحتية النووية التي تدهورت منذ التسعينيات، فهناك مطالب متزايدة داخل “البنتاغون” بإجراء اختبارات ميدانية جديدة لضمان كفاءة الرؤوس النووية المخزّنة منذ عقود.
كما أن توقيت الإعلان – قبل لقائه بالرئيس الصيني شي جينبينغ – يثير تساؤلات حول البعد الدبلوماسي للقرار، إذ ربما أراد ترمب إرسال رسالة قوية إلى بكين مفادها أن واشنطن لن تتهاون في سباق الردع، خاصة مع تصاعد التوتر في بحر الصين الجنوبي وتايوان.
لكن على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد ترتد سلباً على واشنطن نفسها، لأنها تمنح موسكو وبكين مبرراً لتكثيف تجاربهما بدعوى “الرد بالمثل”، وهو ما قد يؤدي إلى دوامة من التجارب المتبادلة دون سقف واضح أو قيود قانونية.
كما أن الرأي العام الأميركي قد ينقسم حول القرار، بين مؤيد يرى فيه ضرورة لتعزيز الردع، ومعارض يعتبره خطوة متهورة تزيد مخاطر اندلاع مواجهة نووية غير مقصودة.
السباق النووي الجديد يعكس انهيار نظام الردع القديم
يؤكد الدكتور سامر العوضي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، أن ما نشهده اليوم هو “تحلل تدريجي للنظام الأمني الذي تأسس بعد الحرب الباردة”، موضحاً أن تصريحات ترمب تمثل ضربة قاصمة لما تبقى من الثقة بين القوى النووية الكبرى، فواشنطن، بحسب رأيه، لم تعد تلتزم بالاتفاقيات طويلة الأمد التي ضمنت الاستقرار لعقود.
ويشير العوضي إلى أن العودة إلى التجارب النووية ليست مجرد خطوة تقنية، بل رسالة سياسية قوية تقول للعالم إن “زمن القيود انتهى”، ويرى أن هذا التحول يفتح الباب أمام “عصر جديد من الفوضى النووية”، حيث تصبح القرارات مبنية على ردود أفعال لحظية وليس على توازنات مدروسة.
ويضيف أن الخطر الأكبر لا يكمن في التجارب بحد ذاتها، بل في “السباق غير المعلن” نحو تطوير أسلحة نووية صغيرة التكتيك، يمكن استخدامها في نزاعات إقليمية دون الوصول إلى الحرب الشاملة، ما يجعل العالم في حالة توتر دائم.
ويختم العوضي بالتحذير من أن غياب التواصل المباشر بين موسكو وواشنطن يزيد من احتمال سوء الفهم، مؤكداً أن أي حادث بسيط أو خطأ في التقدير قد يشعل شرارة كارثة لا يمكن السيطرة عليها.
العالم يدخل مرحلة الردع المتعدد الأقطاب
ترى الدكتورة ليلى منصور، باحثة في قضايا الأمن الدولي بمركز ستوكهولم للسلام، أن ما يجري اليوم لا يشبه سباق التسلح القديم بين قوتين، بل هو “سباق متعدد الأقطاب”، تشارك فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية والهند وباكستان وربما إيران قريباً. وهذا، بحسب قولها، يجعل البيئة النووية أكثر هشاشة وتعقيداً.
تؤكد منصور أن إعلان ترمب يعزز النزعة العدوانية في السياسات الدفاعية حول العالم، مشيرة إلى أن كل دولة ستسعى لتطوير قدراتها تحت ذريعة “الردع الذاتي”. وهنا تكمن الخطورة، لأن تعدد اللاعبين يجعل أي اتفاق مستقبلي للحد من التسلح شبه مستحيل.
وتضيف أن الصين تتابع الموقف بترقب، إذ ترى في الخطوة الأميركية ذريعة لتوسيع ترسانتها النووية التي لا تزال أصغر مقارنة بواشنطن وموسكو، ما يعني أن النظام الدولي يتجه نحو “توازنات جديدة” قد تقلب معادلات الأمن العالمي رأساً على عقب.
وتختم منصور بأن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار تاريخي: إما العودة إلى طاولة الحوار وتحديث منظومة الردع، أو الانزلاق إلى سباق تسلح مفتوح لا يمكن التنبؤ بنتائجه، محذّرة من أن “الزمن لا يعود إلى الوراء… لكنه قادر على تكرار أخطاء الماضي”.






