من جديد، أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغة «الردع النووي» إلى مقدمة المشهد الدولي، حين أعلن أن بلاده تعمل على تطوير إمكاناتها النووية «مثل جميع القوى الأخرى»، والتصريح الذي بدا في ظاهره دفاعيًا، فُهم على نطاق واسع كإشارة إلى دخول موسكو مرحلة جديدة من سباق التسلح مع الغرب، لا سيما في ظل تصاعد التوترات مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
بوتين يعيد لغة التوازن النووي إلى الواجهة
رغم تأكيد بوتين أن روسيا «لا تشكل تهديدًا لأحد»، فإن إشارته إلى تطوير منظومات مثل «بوسيدون» و«بوريفيستنيك» أعادت للأذهان صورة الحرب الباردة، حين كانت الصواريخ العابرة للقارات هي المقياس الحقيقي للقوة.
وفي الوقت الذي يصف فيه الكرملين هذه الخطوة بأنها «تحديث ضروري لحماية الأمن القومي»، يرى الغرب أنها خطوة تصعيدية تفتح الباب أمام سباق تسلح جديد في قلب أوروبا.
تأتي تصريحات بوتين في وقت بالغ الحساسية؛ إذ يشهد النظام الأمني الدولي حالة هشاشة غير مسبوقة بعد انهيار معظم معاهدات الحد من الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن. وتزامن الإعلان مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتزايد القلق الغربي من نوايا روسيا بشأن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية.
وبينما تلتزم القوى الكبرى الصمت الحذر، تبدو ملامح مرحلة جديدة من «توازن الرعب» في الأفق، إذ تستعد روسيا لتقديم جيل جديد من الأسلحة القادرة على كسر أي درع دفاعي غربي، ما يعني أن معادلة الأمن الدولي قد تكون بصدد إعادة رسم كاملة.
اختبار القوة.. أم استعادة المجد السوفياتي؟
يرى مراقبون أن خطاب بوتين لا ينفصل عن سعي موسكو لإعادة ترسيخ مكانتها كقوة عظمى بعد ثلاثة عقود من تفكك الاتحاد السوفياتي. فالتسليح النووي كان دائمًا رمز الهيبة الجيوسياسية الروسية، وأداة لإبراز قدرتها على الصمود في وجه الغرب.
الحديث عن صواريخ «بوريفيستنيك» التي يمكنها التحليق لفترات طويلة والتملص من الدفاعات الأميركية، أو الطوربيد النووي «بوسيدون» القادر على تدمير مدن ساحلية بالكامل، يثير قلقًا في العواصم الغربية. فهذه الأسلحة تمثل نقلة تكنولوجية هائلة يمكن أن تغيّر طبيعة الردع العالمي.
لكن موسكو تطرح خطابًا مغايرًا تمامًا؛ فهي تعتبر أن ما تقوم به ليس أكثر من «ردٍّ مشروع» على تصرفات الناتو الذي اقترب من حدودها الشرقية، وزاد من نشر الأنظمة الصاروخية في بولندا ورومانيا، ووفق هذا المنطق، فإن «الردع النووي» الروسي ليس إلا أداة لحماية السيادة ومنع الغرب من اختبار صبر الكرملين.
وفي الوقت الذي تُوجَّه فيه أصابع الاتهام نحو روسيا بأنها تشعل سباق تسلح جديد، يؤكد الروس أن واشنطن هي من بدأت اللعبة، حين انسحبت من معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى عام 2019، وواصلت تطوير رؤوس نووية منخفضة القوة يمكن استخدامها في النزاعات الإقليمية.
النظام الدولي على صفيح ساخن
التحركات الروسية الأخيرة تضع المجتمع الدولي أمام تحدٍّ كبير: كيف يمكن ضبط سباق التسلح في غياب معاهدات ملزمة؟ فحتى معاهدة «نيو ستارت» الموقعة بين واشنطن وموسكو عام 2010 باتت على شفا الانهيار بعد تجميد الاتصالات الثنائية بشأن عمليات التفتيش والتبادل المعلوماتي.
الولايات المتحدة من جانبها تتحدث عن «مراقبة دقيقة» للأنشطة النووية الروسية، لكنها في المقابل تعمل هي الأخرى على تطوير جيل جديد من الرؤوس النووية والصواريخ فرط الصوتية، أما الصين، فتقف في المنتصف؛ تستثمر في قدراتها النووية بوتيرة متسارعة، دون أن تدخل علنًا في سباق التصريحات أو الاستفزازات.
أما أوروبا، فتجد نفسها في موقف معقد: فهي تدعم الردع الأميركي عبر الناتو، لكنها في الوقت ذاته أكثر الأطراف تضررًا من أي تصعيد نووي محتمل، فالأراضي الأوروبية ستكون الساحة الأولى لأي مواجهة، ما يدفع بعض العواصم مثل باريس وبرلين إلى الدعوة لاستئناف المفاوضات حول ضبط التسلح.
ويخشى خبراء الأمن الدولي من أن تتسبب لغة التهديد المتبادل في «كسر حاجز الخوف النووي» الذي حافظ على السلام لعقود، ما قد يقود العالم إلى أخطر مرحلة منذ أزمة الصواريخ الكوبية في الستينات.
التكنولوجيا تقود سباق الردع الجديد
السباق النووي لم يعد يدور فقط حول عدد الرؤوس النووية، بل حول من يمتلك القدرة على «الاختراق» و«التخفي» و«الضربة الأولى»، فالتقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، والصواريخ فرط الصوتية، والطائرات المسيّرة الذرية، باتت تحدد موازين القوى أكثر من الأرقام المجردة.
روسيا اليوم تراهن على الجمع بين التكنولوجيا والتقليد، أي المزج بين إرثها النووي الضخم من الحقبة السوفياتية وبين تقنيات الجيل الجديد، والهدف، بحسب محللين، هو فرض معادلة “ردع متبادل غير متكافئ”، أي أن تمتلك موسكو وسائل محدودة لكنها مدمرة بما يكفي لإرغام الغرب على التفاوض بشروطها.
وفي هذا السياق، تلعب الشركات العسكرية الروسية دورًا حاسمًا، رغم العقوبات الغربية، فبرامج التطوير مستمرة في مراكز الأبحاث السرية، تحت إشراف مباشر من وزارة الدفاع ومؤسسة “روس آتوم”، التي تمثل العقل النووي لروسيا الحديثة.
لكن التحدي الأكبر أمام موسكو يبقى اقتصاديًا؛ فاستمرار الإنفاق على سباق تسلح طويل الأمد قد يرهق الميزانية الروسية التي تواجه بالفعل ضغوط العقوبات وتكاليف الحرب في أوكرانيا.
ليست إعلان حرب
يرى د. سيرغي كوزلوف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة موسكو، أن تصريحات بوتين الأخيرة «ليست إعلان حرب، بل إعلان واقعية»، ويقول إن العالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية خطيرة بعد تفكك النظام الدولي القديم، وإن روسيا تدرك أن الحفاظ على مكانتها لا يمكن أن يتم إلا عبر امتلاك الردع النووي الكامل.
ويضيف أن موسكو لا تسعى إلى سباق تسلح، لكنها ترفض أن تكون الطرف الأضعف في معادلة الردع. ويؤكد أن “بوسيدون” و“بوريفيستنيك” ليسا مجرد أسلحة، بل رمزان لعودة التكنولوجيا الروسية إلى الصدارة بعد عقود من التراجع.
ويشير كوزلوف إلى أن الغرب هو من يفسر أي خطوة روسية على أنها تهديد، بينما تتصرف موسكو ضمن حدود حقها المشروع في الدفاع عن النفس، ويؤكد أن «روسيا لا تحتاج إلى خوض حرب نووية، لكنها تحتاج إلى أن يصدق خصومها أنها قادرة عليها إن لزم الأمر».
ويختتم تحليله بالقول إن السباق النووي لن يكون تقليديًا كما في الماضي، بل سيكون سباقًا في الذكاء الصناعي والتحكم الآلي في الأسلحة، أي أن “العقل الإلكتروني” سيصبح اللاعب الجديد في معادلة الردع.
سباق تسلح عالمي جديد
يقدّم الخبير الأميركي جوناثان ريد، باحث في معهد الأمن النووي بواشنطن، رؤية أكثر تشاؤمًا، إذ يرى أن ما تفعله روسيا «يشعل فتيل سباق تسلح عالمي جديد»، ويقول إن بوتين يستخدم التهديد النووي كورقة سياسية لتقوية موقعه داخليًا وخارجيًا، في ظل الضغوط العسكرية في أوكرانيا.
ويضيف ريد أن “الردع المتبادل” لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار، لأن التكنولوجيا الحديثة تقلل من زمن القرار وتزيد من احتمالات الخطأ البشري، فصاروخ واحد موجه خطأ أو إنذار كاذب قد يشعل كارثة عالمية لا يمكن احتواؤها.
ويحذر من أن استمرار غياب الحوار النووي بين موسكو وواشنطن سيقود إلى فقدان السيطرة على «الشفافية النووية» التي كانت تمنع سوء الفهم طوال عقود، ويعتبر أن انسحاب روسيا من بعض المعاهدات، يقابله توسع أميركي في تحديث الترسانة، ما يعني أن العالم يسير نحو «حافة الهاوية النووية».
ويختتم بالقول: «ما نراه اليوم ليس مجرد تطوير للأسلحة، بل تآكل لمنظومة الردع الأخلاقي التي كانت تمنع استخدام السلاح النووي كأداة ضغط سياسية. ومع كل تجربة جديدة، يقترب العالم خطوة من الخطر الأكبر».






