تستعد سوريا لإطلاق عملية نقدية جديدة تتضمن حذف صفرين من العملة المحلية وإصدار أوراق نقدية معدّلة، في محاولة لتعزيز الثقة بالليرة بعد انهيار غير مسبوق في قيمتها على مدار 14 عاماً من الحرب، التي انتهت بإسقاط النظام السابق في ديسمبر الماضي.
فقدت الليرة أكثر من 99% من قيمتها منذ اندلاع الصراع، إذ انتقل سعر الصرف من حدود 50 ليرة للدولار قبل الحرب إلى ما يقارب 10 آلاف ليرة اليوم، ما جعل المعاملات اليومية عبئاً ثقيلاً على المواطنين وأفقد العملة وظيفتها الطبيعية كوسيلة للتداول.
معاناة يومية مع النقد
الانخفاض الكبير في القوة الشرائية دفع السوريين إلى التعامل بكميات هائلة من الأوراق النقدية حتى في أبسط المشتريات. فأغلب الأسر تحتاج لحمل أكياس كاملة من الأوراق المالية من فئة الـ 5000 ليرة – وهي الأكبر حالياً – لتأمين احتياجاتها الأسبوعية من المواد الأساسية. الأمر الذي جعل التداول النقدي معقداً ويزيد من تكاليف الحياة اليومية.
خطة المصرف المركزي
مصادر مصرفية أكدت أن مصرف سوريا المركزي أبلغ البنوك التجارية بقرار إعادة تقييم العملة من خلال حذف صفرين، وذلك ضمن خطة لإعادة الانضباط إلى السوق النقدية. وأشارت المعلومات إلى أن اجتماعات تقنية جرت داخل البنك المركزي، برئاسة نائب المحافظ مخلص الناظر، لبحث آليات الإصدار الجديد وكيفية تطبيقه في السوق.
ورغم أن السلطات الرسمية لم تعلن بعد عن تفاصيل القرار، إلا أن التحركات داخل المؤسسات المالية تشير إلى أن التنفيذ بات وشيكاً، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في سبتمبر المقبل.
شراكة مع موسكو لطباعة العملة
التوجه الجديد تزامن مع اتفاق سوري – روسي لطباعة الأوراق النقدية المعدّلة عبر شركة روسية حكومية متخصصة. وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق خلال زيارة وفد اقتصادي سوري رفيع المستوى إلى موسكو في يوليو الماضي. هذه الخطوة تثير تساؤلات حول حجم الاعتماد السوري على الدعم الروسي في الملفات الاستراتيجية، بما فيها السياسة النقدية.
التحول السياسي والاقتصادي بعد الأسد
بعكس ما كان سائداً في عهد النظام السابق، حيث كان التعامل بالعملات الأجنبية ممنوعاً بشكل صارم، سمحت الحكومة الجديدة بالانفتاح على اقتصاد السوق ورفع القيود عن التداول بالدولار والعملات الصعبة. إلا أن هذا الانفتاح السريع خلق واقعاً اقتصادياً مزدوجاً: فمن جهة اعتمدت الأسواق بشكل شبه كامل على الدولار، ومن جهة أخرى باتت الليرة مهددة بفقدان دورها الوطني، خاصة مع ضعف البنية التحتية للمدفوعات الرقمية.
أزمة السيولة والتداول خارج النظام
من بين الدوافع الأساسية وراء الإصلاح النقدي هو السعي لمعالجة أزمة السيولة. إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 40 تريليون ليرة سورية متداولة خارج النظام المالي الرسمي. إعادة إصدار الأوراق النقدية الجديدة وحذف الأصفار يُتوقع أن يساعدا في استعادة السيطرة الحكومية على الكتلة النقدية وتنظيم عمليات التداول، ما قد يمهّد لبناء سياسة نقدية أكثر استقراراً.
تحديات ما بعد الإصلاح
القرار السوري بحذف صفرين من العملة لا يمثل مجرد خطوة تقنية، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية في آن واحد. فهو من جهة رسالة إلى الداخل بأن الدولة ماضية في إعادة بناء مؤسساتها المالية واستعادة الثقة المفقودة، ومن جهة أخرى يعكس محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأن الاقتصاد السوري قادر على الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً.
لكن فعالية هذه الخطوة ستظل رهينة بمدى نجاح الحكومة في ضبط السوق السوداء، وتأمين السيولة بالدولار، وإطلاق مشاريع إنتاجية تعيد القوة الفعلية للعملة. وإلا فإن الإصلاح النقدي قد يبقى مجرد إجراء شكلي لا يغير واقع التدهور الاقتصادي العميق.






