في مؤشر جديد على التحولات التي تشهدها السياسة السورية بعد سنوات من الصراع، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن دمشق تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، في خطوة قد تمثل بداية مرحلة مختلفة في العلاقة بين الطرفين، إذا ما نجحت الاتصالات الجارية في تحقيق نتائج عملية.
وأكد الشرع أن أي اتفاق أمني محتمل لن يكون على حساب الحقوق السيادية لسوريا، مشددًا على أن بلاده لن تتخلى عن مطالبتها بمرتفعات الجولان، التي احتلتها إسرائيل خلال حرب يونيو/حزيران 1967، وما تزال تعتبر وفق القانون الدولي أرضًا سورية محتلة.
ويعكس هذا الموقف محاولة سورية للجمع بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في خفض التوتر الأمني ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، والثاني يتمثل في الحفاظ على الثوابت السياسية المتعلقة بالسيادة ووحدة الأراضي.
اتفاق أمني لا يعني تطبيعًا كاملاً
ورغم أن تصريحات الرئيس السوري فتحت الباب أمام إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل، فإن طبيعة الاتفاق المطروح تبدو أقرب إلى ترتيبات أمنية تهدف إلى منع التصعيد وضبط الحدود، أكثر من كونها اتفاق سلام شامل ينهي عقودًا من العداء.
فالحديث عن “اتفاق أمني” يحمل دلالات مختلفة عن معاهدات السلام التقليدية، إذ يمكن أن يشمل آليات لمنع الاحتكاك العسكري، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتنظيم الأوضاع في المناطق الحدودية، دون أن يعني بالضرورة إقامة علاقات دبلوماسية كاملة أو تسوية نهائية لجميع الملفات العالقة.
وفي الوقت ذاته، حرص الشرع على التأكيد أن سوريا لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، في رسالة تعكس رغبة دمشق في تجنب فتح جبهة جديدة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.
الجولان… العقدة التي لا تزال قائمة
ورغم الحديث عن فرص التهدئة، يبقى ملف الجولان العقبة الأبرز أمام أي تسوية مستقبلية بين الطرفين.
فإسرائيل تسيطر على الهضبة الاستراتيجية منذ عام 1967، وأقرت لاحقًا ضمها، وهي خطوة لم تحظ باعتراف المجتمع الدولي، الذي لا يزال يعتبر الجولان أرضًا سورية محتلة.
لذلك، فإن أي تقدم في المسار الأمني لن يلغي الخلاف الجوهري حول مستقبل هذه المنطقة، وهو ما يفسر تأكيد دمشق المتكرر على أن الانفتاح الأمني لا يعني التخلي عن مطالبها السيادية.
لبنان حاضر في الحسابات السورية
وفي المقابلة التي أجراها مع قناة الجزيرة، تناول الرئيس السوري أيضًا تطورات الوضع اللبناني، مؤكدًا أن بلاده تدعم الحكومة اللبنانية في جهودها لترسيخ سلطة الدولة، لكنها لن تتدخل عسكريًا في أي خطوات تستهدف تنظيم ملف سلاح حزب الله.
وأوضح الشرع أن دمشق تؤيد مبدأ احتكار الدولة اللبنانية للسلاح وامتلاكها القرار الحصري في قضايا الحرب والسلم، معتبرًا أن هذه المسألة شأن لبناني داخلي يجب أن يُدار عبر المؤسسات الرسمية.
ويعكس هذا الموقف تغيرًا ملحوظًا في المقاربة السورية مقارنة بمراحل سابقة، إذ تركز دمشق اليوم على دعم استقرار المؤسسات اللبنانية بدل الانخراط المباشر في التوازنات العسكرية داخل البلاد.
استقرار لبنان… مصلحة سورية مباشرة
وحذر الرئيس السوري من أن أي انهيار أمني أو فوضى داخل لبنان ستكون له انعكاسات مباشرة على سوريا، بحكم الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني بين البلدين.
فاستمرار الاستقرار في لبنان لا يمثل بالنسبة لدمشق مجرد هدف دبلوماسي، بل يعد ضرورة أمنية واقتصادية، خاصة في ظل التحديات المشتركة المتعلقة بالحدود، وحركة اللاجئين، والتهريب، والجماعات المسلحة.
رسائل إلى الداخل والخارج
تعكس تصريحات الرئيس السوري محاولة لرسم صورة جديدة للدور الإقليمي لدمشق، تقوم على خفض التوترات والانخراط في ترتيبات أمنية تحافظ على الاستقرار، مع الإبقاء على المواقف التقليدية تجاه القضايا السيادية، وفي مقدمتها الجولان.
وفي حال نجحت الاتصالات في الوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، فقد يشكل ذلك تحولًا مهمًا في المشهد الإقليمي، لكنه لن يعني بالضرورة نهاية الصراع بين الطرفين، إذ تبقى الملفات السياسية الكبرى، وعلى رأسها مستقبل الجولان، العامل الحاسم في أي سلام دائم وشامل.






