منذ وصول حكومة جورجيا ميلوني إلى السلطة في إيطاليا، وُضعت قضية الهجرة غير الشرعية على رأس أولوياتها. شعار “حماية حدود أوروبا” تحول من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسة ميدانية قاسية، شملت تعزيز الرقابة البحرية، وتوسيع الاتفاقات الأمنية مع دول شمال إفريقيا، وخاصة تونس وليبيا. هذه الإجراءات أدت بالفعل إلى انخفاض لافت في أعداد المهاجرين الواصلين إلى السواحل الإيطالية مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما تعتبره روما “نجاحًا” في كبح ما تسميه “الفوضى على الحدود”.
شهادات من الضفة الأخرى
غير أن الوجه الآخر لهذا النجاح يتجسد في مخيمات ليبيا، حيث مئات المهاجرين من دول الساحل وغرب إفريقيا يعيشون حالة من الانتظار واليأس. في حديث مع مهاجر من النيجر عالق في ضواحي طرابلس، قال: “لم يعد البحر كما كان، الحراسة مشددة والزوارق تُعترض قبل أن تصل نصف الطريق. حتى المهربون بدأوا يتخلون عن المخاطرة لأن الخسائر كبيرة. نحن الآن بين نارين: العودة إلى أوطان أنهكتها الحروب أو البقاء هنا بلا مستقبل”.
مهاجر آخر من مالي عبّر عن قسوة الواقع بقوله: “كنا نرى إيطاليا كبوابة للحلم الأوروبي، أما الآن فهي جدار منيع. ما نعيشه هنا في ليبيا أسوأ من كل شيء؛ اعتقالات، استغلال، وأحيانًا عنف من العصابات. البحر لم يعد فرصة، بل صار مقبرة مؤكدة”.
الاتفاقات الإيطالية التونسية.. الأثر والجدل
جزء كبير من استراتيجية ميلوني اعتمد على التنسيق المباشر مع تونس، التي أصبحت نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا. الاتفاقات الأمنية بين روما وتونس شملت تمويلًا ودعمًا لوجستيًا مقابل تشديد الرقابة على السواحل. وبالفعل، انخفضت قوارب الهجرة الخارجة من سواحل صفاقس بشكل ملحوظ. لكن هذا التعاون أثار انتقادات حقوقية واسعة، إذ ترى منظمات إنسانية أن إيطاليا “نقلت” حدودها إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، وأوكلت لدول تعاني بدورها من أزمات اقتصادية واجتماعية مهمة لا تستطيع إدارتها بشكل إنساني.
نجاح أمني.. وفشل إنساني
في الداخل الإيطالي، تُسوق الحكومة هذا التراجع في أعداد المهاجرين كإنجاز سياسي يحسب لميلوني، معتبرة أن روما تحمي أوروبا من “غزو صامت”. غير أن هذا الانتصار الأمني ترافق مع صورة قاتمة لإيطاليا، إذ تحولت بعض مراكز الاستقبال إلى فضاءات مكتظة وغير إنسانية، فيما تتحدث تقارير حقوقية عن معاملة قاسية، وتزايد حالات العنف والتمييز بحق المهاجرين، خاصة من دول الساحل الإفريقي.
ناشط حقوقي في روما وصف الأمر قائلاً: “إيطاليا ربما نجحت في حماية حدود أوروبا، لكنها فشلت في حماية إنسانية المهاجرين. نحن أمام بلد يفتخر بإغلاق أبوابه، لكنه في الوقت نفسه يغض الطرف عن الجرائم التي تطال هؤلاء الناس في معسكرات الاحتجاز بليبيا أو حتى داخل أراضيه”.
صورة إيطاليا في الميزان الأوروبي
بينما ترى بعض العواصم الأوروبية أن ميلوني قدمت نموذجًا يمكن الاقتداء به في ضبط الحدود، فإن دولًا أخرى تحذر من أن هذه السياسات قصيرة النظر وقد تزيد من معاناة إنسانية تهدد الاستقرار على المدى الطويل. إذ لا يمكن النظر إلى الهجرة فقط من زاوية الأرقام والإحصاءات، بل كملف معقد يتشابك فيه الأمني بالاقتصادي والإنساني.






