عاد التوتر إلى سماء شرق آسيا مجددًا مع إعلان كوريا الشمالية إطلاق صاروخ باليستي باتجاه البحر الشرقي، في خطوة وُصفت من قبل الجيش الأمريكي بأنها «مزعزعة للاستقرار».
المشهد الذي تكرر على شاشات محطات سيول وطوكيو بدا مألوفًا، لكن التوقيت هذه المرة يثير أسئلة كثيرة، خاصة أنه يأتي بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمنطقة، وما حملته من رسائل عسكرية واستراتيجية.
ورغم أن التقييم الأولي أشار إلى أن الصاروخ لم يشكل تهديدًا مباشرًا للأراضي الأمريكية أو لحلفاء واشنطن، فإن دلالاته السياسية تتجاوز البعد العسكري بكثير، إذ تعكس رغبة بيونغ يانغ في تذكير الجميع بأنها ما زالت لاعبًا صعبًا لا يمكن تجاهله في أي معادلة أمنية تخص شبه الجزيرة الكورية.
توقيت لا يخلو من الرسائل
تزامن الإطلاق مع تصاعد الحديث عن مشروع كوريا الجنوبية لبناء غواصة تعمل بالطاقة النووية، وهو مشروع وافق عليه ترمب خلال زيارته الأخيرة، ما جعل بيونغ يانغ تعتبر الأمر استفزازًا مباشرًا، فبينما تسعى سيول لتعزيز قدراتها البحرية في مواجهة تهديدات الشمال، رد كيم جونغ أون بأسلوبه المعتاد: اختبار صاروخي يذكّر الخصوم بقدراته المتنامية.
هذه المعادلة ليست جديدة، لكنها تزداد خطورة مع تغير التحالفات الدولية؛ إذ إن كوريا الشمالية باتت تشعر بأنها تحظى بدعم ضمني من موسكو وبكين، في ظل التوتر المتصاعد بين الغرب وروسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.
الإدارة الأمريكية بدت متحفظة في ردها الأولي، إذ اكتفت بالتنديد ووصف الإطلاق بأنه “مزعزع للاستقرار”، من دون التلويح بإجراءات عملية أو عقوبات جديدة، ويبدو أن واشنطن لا ترغب في تصعيد غير محسوب في مرحلة تشهد فيها أولويات معقدة، من الحرب الأوكرانية إلى صراع النفوذ في بحر الصين الجنوبي.
لكن الصمت الأمريكي لا يعني الضعف، بل هو محاولة لإبقاء الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، خصوصًا مع رغبة ترمب المُعلنة في لقاء كيم مجددًا، رغم التجاهل الواضح من بيونغ يانغ لهذا العرض.
في المقابل، لم تقف كوريا الجنوبية واليابان مكتوفتي الأيدي، إذ نفذت القوات المشتركة تدريبات جوية وبحرية مكثفة، شملت محاكاة لاعتراض صواريخ باليستية.
سياسة «الاستفزاز المحسوب»
وجاءت هذه الخطوة في إطار ما تسميه سيول «الردع المتكامل»، الذي يعتمد على التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة في تبادل المعلومات والاستعداد لأي طارئ، ويبدو أن منطقة شرق آسيا تتجه نحو سباق تسلح جديد، تكون فيه التجارب الصاروخية والشراكات النووية مجرد بداية لمسار طويل من الاستعراضات العسكرية.
من الواضح أن كوريا الشمالية لا تسعى إلى مواجهة شاملة، بل إلى ما يسميه محللون «الاستفزاز المحسوب»، أي إرسال إشارات قوية من دون تجاوز الخطوط التي قد تدفع واشنطن إلى رد عسكري مباشر، وهذه السياسة أتقنها كيم جونغ أون منذ سنوات، إذ يرفع سقف التوتر حينًا ليحصل على تنازلات، ثم يعود إلى التهدئة حين يضمن مكاسب سياسية أو اقتصادية.
ويأتي الإطلاق الأخير ضمن هذا السياق، فهو اختبار لإدارة ترمب الجديدة أكثر من كونه تهديدًا للأمن الإقليمي.
ترمب بين الإغراء والتحدي
زيارة ترمب الأخيرة للمنطقة حملت مزيجًا من الرسائل المتناقضة: دعوة للحوار مع كيم من جهة، وإعلان دعم لبناء غواصة نووية كورية جنوبية من جهة أخرى، والرسالة التي تلقاها كيم كانت واضحة: واشنطن توازن بين العصا والجزرة، لكن دون التزامات واضحة.
رد بيونغ يانغ كان بمثابة رفض علني لهذا النهج، وتذكير لترمب بأن كوريا الشمالية لن تُستدرج إلى مفاوضات من موقع ضعف، وأنها تملك أوراق ضغط كافية لإعادة ترتيب شروط اللعبة.
موقف اليابان.. القلق الدائم
اليابان، الطرف الثالث في المعادلة، تجد نفسها دائمًا في دائرة الخطر الجغرافي، فكل تجربة صاروخية لكوريا الشمالية تمر بالقرب من مجالها الجوي أو تسقط في مياهها الاقتصادية الخالصة.
الرد الياباني كان دبلوماسيًا لكنه صارم، إذ أدان رئيس الوزراء الإطلاق واعتبره انتهاكًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن، مشيرًا إلى أن طوكيو ستواصل التنسيق مع واشنطن وسيول لضمان الأمن الإقليمي.
وفي الأيام التي تلت التجربة، ارتفع عدد المناورات العسكرية المشتركة في البحر الشرقي، وظهرت مؤشرات على تعزيز المراقبة الجوية والبحرية في المنطقة، والهدف المعلن هو الردع، لكن الهدف غير المعلن هو جمع أكبر قدر من المعلومات عن قدرات كوريا الشمالية الجديدة، فكل إطلاق صاروخي يمنح خصوم كيم فرصة ذهبية لاختبار أنظمة الرصد والدفاع الخاصة بهم، وهو ما يدركه الزعيم الكوري الشمالي جيدًا، لكنه يبدو غير مكترث بذلك.
بيونغ يانغ ورسالة «نحن هنا»
يُجمع المراقبون على أن كوريا الشمالية أرادت بهذه التجربة إرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل لتأكيد قوة النظام وسط الضغوط الاقتصادية، والثانية إلى الخارج لتذكير واشنطن وحلفائها بأنها ما زالت على الطاولة.
في عالم السياسة الكورية، لا شيء يحدث صدفة، وكل تجربة صاروخية تُعد حدثًا مدروسًا بدقة في توقيته وأهدافه.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تشهد العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ تطورًا ملحوظًا، ويعتقد محللون أن هذا التقارب منح كوريا الشمالية هامش مناورة أوسع في مواجهة العقوبات الغربية.
فروسيا التي تبحث عن حلفاء في مواجهة العزلة الدولية لا تمانع في دعم كوريا الشمالية سياسيًا، وربما لوجستيًا، مقابل الحصول على مساعدات عسكرية أو ذخائر كما تشير بعض التقارير الاستخباراتية.
أما الصين، الحليف التاريخي لبيونغ يانغ، فتتبنى نهجًا أكثر تحفظًا. فهي لا ترغب في تصعيد جديد قرب حدودها، لكنها في الوقت ذاته ترى أن الضغط الأمريكي على كوريا الشمالية يخدم مصالحها الاستراتيجية، إذ يُبقي واشنطن منشغلة في شرق آسيا، وهذا الموقف الرمادي يتيح لبكين الاحتفاظ بدور الوسيط عند الحاجة، مع ضمان بقاء النظام الكوري الشمالي بعيدًا عن الانهيار.
المعضلة الأميركية – الكورية تتجدد
ومنذ انتهاء قمم كيم وترمب السابقة دون اتفاق، بقيت العلاقة بين الطرفين تراوح مكانها بين التصعيد والتهدئة، فالإطلاق الأخير يعيد فتح هذا الملف، لكن بشروط جديدة، فكوريا الشمالية أكثر جرأة، وأمريكا أكثر انشغالًا بملفات أخرى، ما يعني أن فرص العودة إلى الحوار الجاد تتضاءل مع مرور الوقت.
يقول الخبير الأمريكي في الأمن الآسيوي، د. مارك هاريسون، إن كوريا الشمالية تدرك تمامًا حساسية المرحلة بالنسبة للولايات المتحدة، وتستغل انشغالها لتوسيع هامش حركتها.
ويضيف أن إطلاق الصاروخ في هذا التوقيت هو رسالة مباشرة لواشنطن بأن بيونغ يانغ لن تسمح بتهميشها في أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة.
ويرى هاريسون أن واشنطن تعمدت الرد الهادئ لتفادي الانجرار إلى مواجهة قد تخلط الأوراق، فالإدارة الأمريكية، على حد قوله، تعلم أن أي رد قوي قد يدفع كوريا الشمالية إلى سلسلة تجارب جديدة، ويشير إلى أن هذا الهدوء الأمريكي يخفي خلفه استعدادًا عسكريًا عالي المستوى، لكنه لن يُفعّل إلا إذا تجاوزت بيونغ يانغ الخطوط الحمراء.
يؤكد هاريسون أن أخطر ما في المشهد هو تشكل تحالفات جديدة، فالتقارب الروسي – الكوري الشمالي قد يغيّر موازين القوى في شرق آسيا، ويضيف أن وجود مصالح مشتركة بين موسكو وبيونغ يانغ في مواجهة الغرب يجعل الصراع أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ويختم هاريسون تحليله بالقول إن السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية ستظل قائمة على «الاحتواء الذكي»، أي الجمع بين الضغط الاقتصادي والردع العسكري مع ترك الباب مواربًا أمام المفاوضات، ويعتقد أن واشنطن تدرك أن إسقاط نظام كيم بالقوة سيخلق فراغًا أخطر من بقائه.
بيونغ يانغ تسعى لتثبيت شرعيتها داخليًا
يقول البروفيسور كيم يونغ سو إن البعد الداخلي لا يقل أهمية عن الخارجي، فالنظام الكوري الشمالي يستخدم التجارب الصاروخية كوسيلة لتعزيز شرعيته أمام الشعب، ويشير إلى أن نجاح أي تجربة يُقدَّم للإعلام المحلي كدليل على «قوة القائد» وقدرته على تحدي القوى العظمى.
ويضيف يونغ سو أن بيونغ يانغ بارعة في موازنة علاقاتها مع روسيا والصين، إذ تحاول الاستفادة من كليهما دون أن تقع تحت هيمنة أحدهما، ويقول إن كوريا الشمالية تستخدم الورقة الروسية للضغط على الصين كي لا تتخلى عنها، بينما تستغل علاقاتها مع بكين لإقناع موسكو بأنها ما زالت ضمن المعسكر المناهض للغرب.
يرى يونغ سو أن مشروع الغواصة النووية الكورية الجنوبية يمثل نقطة تحول في توازن القوى داخل شبه الجزيرة، إذ سيمنح سيول قدرة ردع جديدة قد تُربك حسابات الشمال، ويؤكد أن هذه الخطوة قد تدفع كيم إلى المزيد من التجارب لإثبات أن تفوقه العسكري لا يزال قائمًا رغم التطور الجنوبي.
يختتم يونغ سو بالقول إن المنطقة تقف على حافة مرحلة خطيرة، حيث يختلط فيها الاستفزاز بالتصعيد، وأن الحل الوحيد لتجنب انفجار الموقف هو العودة إلى الحوار المتكافئ، ويحذر من أن تجاهل بيونغ يانغ أو محاولة عزلها بالكامل لن يؤدي إلا إلى مزيد من المغامرات الصاروخية.
رغم صدور بيانات تنديد محدودة، فإن المجتمع الدولي يبدو عاجزًا عن فرض آليات جديدة لردع كوريا الشمالية، خصوصًا بعد فشل العقوبات السابقة في تحقيق أي نتيجة، فبيونغ يانغ اعتادت الالتفاف على القيود الاقتصادية عبر شبكات تهريب ودعم روسي وصيني غير مباشر.
الدبلوماسية على مفترق الطرق
تُجمع التقديرات على أن شرق آسيا مقبل على مرحلة سباق تسلح حقيقي، يشمل تطوير أنظمة دفاعية وهجومية متقدمة، ومن المرجح أن يشهد العقد المقبل تحولات عسكرية كبرى تجعل المنطقة أكثر توترًا من أي وقت منذ الحرب الكورية.
ولا يقتصر تأثير الأزمة على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، إذ تهدد التوترات في شرق آسيا سلاسل التوريد الحيوية وخاصة في قطاع التكنولوجيا، أي مواجهة عسكرية ولو محدودة قد تؤثر على حركة التجارة في بحر اليابان ومضيق تسوشيما الحيوي.
وتدرك القوى الكبرى أن استمرار الوضع الراهن ليس خيارًا مستدامًا، لكن لا أحد مستعد لتقديم تنازلات حقيقية، فكوريا الشمالية تريد رفع العقوبات والاعتراف بها كقوة نووية، بينما تصر واشنطن على نزع السلاح النووي قبل أي تفاهم.






