في السنوات الأخيرة، تعيش العلاقة بين ليبيا والأمم المتحدة واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ اندلاع الأزمة الليبية قبل أكثر من عقد. فبعد أن كانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) تمثّل ركيزة أساسية في إدارة العملية السياسية وتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة، تحوّلت، في نظر قطاعات واسعة من الليبيين، إلى طرف مثير للجدل، تُتهم بالتجاوز في الصلاحيات والتدخل في الشؤون السيادية. وتجلّى هذا التوتر مؤخرًا في الانتقاد الحاد الذي وجهته الحكومة الليبية المكلّفة من مجلس النواب إلى المبعوثة الأممية الخاصة «هانا تيتة»، بعد إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، والتي وصفتها الحكومة بأنها «تضمنت مغالطات خطيرة وتدخلات سافرة في الشؤون الداخلية للدولة الليبية».
هذا التصعيد الجديد لا يأتي في فراغ، بل يُعبّر عن عمق أزمة الثقة بين السلطات الليبية المنقسمة من جهة، والبعثة الأممية من جهة أخرى، في وقت تعجز فيه الأطراف المحلية عن التوافق على مسار واضح يقود إلى انتخابات شاملة تُنهي المرحلة الانتقالية الطويلة التي أنهكت البلاد. ويطرح هذا الوضع أسئلة محورية حول مستقبل العلاقة بين ليبيا والمنظمة الأممية، ومدى تأثير الانقسامات الداخلية في طرابلس وبنغازي على تعامل مجلس الأمن مع الملف الليبي، بل وعلى مصير المسار السياسي برمته.
أزمة الثقة وتضارب الشرعيات
في صلب الأزمة الحالية، تكمن مسألة الشرعية المزدوجة التي تعيشها ليبيا منذ عام 2021، حين فشلت الأطراف المتصارعة في تنفيذ خارطة الطريق التي وضعتها الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ومنذ ذلك الحين، باتت البلاد تدور في حلقة مفرغة من الجدل القانوني والسياسي حول الجهة المخولة بإدارة المرحلة الانتقالية. فالحكومة المكلّفة من مجلس النواب في الشرق ترى نفسها صاحبة التفويض الشرعي استناداً إلى قرار البرلمان المنتخب، بينما تعتبر حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس نفسها المعترف بها دولياً بحكم الدعم الأممي والغربي.
في ظل هذا الانقسام، تجد بعثة الأمم المتحدة نفسها في موقف بالغ الحساسية، إذ تحاول التوفيق بين سلطة الأمر الواقع في الغرب وسلطة التشريع في الشرق، من دون أن تنجح في الحفاظ على الحياد الكامل. ومع تعيين المبعوثة الخاصة هانا تيتة في منصبها، بدا أن الأمور تتجه نحو مزيد من التباين، خصوصاً بعد تصريحاتها المتكررة التي انتقدت ما وصفته بـ«الازدواج المؤسسي» و«تعطيل العملية الانتخابية»، وهي عبارات قرأتها حكومة البرلمان بوصفها انحيازاً واضحاً لحكومة طرابلس.
اتهامات بتجاوز التفويض الأممي
البيان الصادر عن الحكومة المكلّفة من مجلس النواب لم يكن مجرد ردّ سياسي، بل جاء محمّلاً برسائل سيادية قوية تعكس رغبة شرق ليبيا في إعادة ضبط العلاقة مع الأمم المتحدة. إذ اتهمت الحكومة المبعوثة الأممية بتجاوز حدود مهامها «والتدخل في شؤون المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والمصرف المركزي، فضلاً عن التعليق على التعيينات السيادية». هذا الاتهام لا يمكن فصله عن الشعور المتنامي في أوساط البرلمان ومؤيديه بأن البعثة الأممية تمارس ضغوطاً غير متوازنة لإبقاء الوضع القائم في طرابلس، في حين يتم تهميش المؤسسات الأخرى المنتخبة في الشرق.
ويشير محللون إلى أن هذه الاتهامات تكشف عن تآكل كبير في شرعية الدور الأممي داخل ليبيا، حيث لم يعد يُنظر إلى البعثة بوصفها وسيطاً نزيهاً، بل كفاعل سياسي له مصالح ضمن معادلة النفوذ الدولي في البلاد. هذا التحول في النظرة يعكس أيضاً فشل المجتمع الدولي في الحفاظ على موقف موحد إزاء الأزمة الليبية، بعدما انقسمت مواقف الدول الكبرى بين داعم لمعسكر الغرب وداعم للشرق، وهو ما انعكس بدوره على سلوك البعثة الأممية التي باتت تراعي توازنات القوى الدولية أكثر من توازن القوى الليبية.
مجلس الأمن في مأزق ليبي
يُعقد الوضع الليبي من مهمة مجلس الأمن، الذي يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: من جهة، يريد المجلس الحفاظ على دوره في دعم العملية السياسية تحت مظلة الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى، يواجه انقساماً بين أعضائه حول مقاربة الأزمة الليبية. فبينما تدفع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا نحو استمرار دور البعثة وتمديد ولايتها، تدعو روسيا والصين إلى إعادة هيكلتها بما يراعي مبدأ السيادة الوطنية ويحدّ من تدخلها في الشؤون الداخلية.
الإحاطة التي قدمتها هانا تيتة أمام مجلس الأمن والتي أثارت حفيظة الحكومة الليبية المكلّفة، لم تكن سوى انعكاس لهذا التباين. ففي الوقت الذي شددت فيه المبعوثة على ضرورة اعتماد “نهج بديل” لتسريع العملية السياسية، رأت الأطراف الشرقية في هذا الطرح محاولة لتجاوز المؤسسات المنتخبة وفرض وصاية دولية غير مقبولة. ولعل أبرز ما يثير الجدل هو دعوة بعض الدول الغربية داخل مجلس الأمن إلى “خطة أممية جديدة” تتجاوز الجمود الداخلي، ما يُعد، في نظر الحكومة الليبية، مساساً بالإرادة الوطنية وفتحاً لباب الوصاية الخارجية من جديد.
بين طرابلس وبنغازي.. الدولة الغائبة
التوتر بين البعثة الأممية والحكومة المكلفة لا ينفصل عن المشهد الداخلي المعقّد، حيث تتنازع مؤسستان تنفيذيتان على الشرعية والموارد. ففي طرابلس، ما زالت حكومة عبد الحميد الدبيبة تسيطر فعلياً على مؤسسات الدولة ومصادر التمويل، مستندة إلى اعتراف دولي لم يسحب حتى الآن، بينما تحاول الحكومة المكلفة برئاسة أسامة حماد فرض حضورها الإداري والسياسي في الشرق، مدعومة من مجلس النواب والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
هذا الانقسام يخلق بيئة مثالية لأي طرف خارجي للتأثير في مسار الأحداث. فالأمم المتحدة، كما الدول الإقليمية والدولية، تجد في الانقسام الداخلي فرصة لتمرير أجندات خاصة أو تصفية حسابات جيوسياسية على الأرض الليبية. وهو ما يجعل العلاقة بين ليبيا والمنظمة الأممية انعكاساً مباشراً للصراع الداخلي على الشرعية والموارد.
المعادلة الدولية وتأثيرها في الملف الليبي
على الصعيد الدولي، تظل ليبيا ملفاً ثانوياً مقارنة بالأزمات الكبرى في العالم، لكنها تبقى ذات أهمية استراتيجية نظراً لموقعها الجغرافي واحتياطاتها النفطية ودورها في ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. لذلك، تتعامل القوى الكبرى مع الأزمة الليبية من منظور مصالحها، لا من منظور استقرار الدولة الليبية بحد ذاتها. فروسيا، على سبيل المثال، تسعى إلى تعزيز نفوذها في الشرق الليبي عبر شركات أمنية واستثمارات في مجال الطاقة، بينما ترى تركيا في الغرب الليبي امتداداً لنفوذها البحري في شرق المتوسط. وبين هذين المعسكرين، تحاول الأمم المتحدة أن تلعب دور الوسيط، لكنها تجد نفسها محاصرة بالاستقطابات ذاتها التي تشلّ قدرة الليبيين على الاتفاق.
أما مجلس الأمن، فبات مسرحاً لمواجهة دبلوماسية بين هذه القوى، حيث تعرقل الانقسامات إصدار قرارات حاسمة، وتُفرغ بيانات الدعم من مضمونها العملي. في هذا السياق، يبدو من الصعب تصور حل أممي فعال في ظل غياب توافق دولي حول مستقبل ليبيا، خصوصاً أن الدول المؤثرة نفسها تدعم أطرافاً متعارضة ميدانياً.
كيف يمكن لطرابلس الخروج من المأزق السياسي؟
الخروج من المأزق الراهن يتطلب، قبل كل شيء، إعادة بناء الثقة بين الأطراف الليبية ذاتها، عبر إطلاق حوار وطني شامل يضع أسساً واضحة للانتخابات وينهي الانقسام المؤسسي. كما يجب على القوى السياسية أن تتعامل بواقعية مع دور الأمم المتحدة، فرفض البعثة بالكامل قد يعزل ليبيا دولياً، بينما الخضوع الكامل لإملاءاتها قد يمسّ بالسيادة الوطنية. الحل يكمن في صيغة شراكة مشروطة تُلزم البعثة بالحياد وتُعيد تحديد تفويضها وفقاً لأولويات يحددها الليبيون أنفسهم.
على المستوى العملي، يمكن لطرابلس أن تبادر إلى خطوات بناء الثقة، مثل تشكيل لجنة مشتركة مع مجلس النواب لتوحيد التشريعات الانتخابية، وتفعيل دور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بعيداً عن التجاذبات السياسية. كما ينبغي فتح قنوات حوار مباشر مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتوضيح المواقف وتفادي التصعيد الإعلامي الذي لا يخدم سوى استمرار الانقسام.
وفي ظل الدعوات المتكررة لإعادة هيكلة البعثة الأممية، قد تكون هذه اللحظة مناسبة لإعادة تقييم العلاقة معها على أسس جديدة توازن بين السيادة الوطنية والدعم الدولي. فليبيا، التي أنهكتها سنوات التدخلات، تحتاج إلى استعادة قرارها الوطني دون أن تنعزل عن المجتمع الدولي.
بين السيادة والدعم الدولي
إن التوتر بين ليبيا والأمم المتحدة يعكس جوهر المعضلة الليبية: صراع الإرادة الوطنية مع الإملاءات الخارجية في ظل غياب مؤسسات مستقرة قادرة على التعبير عن الإجماع الوطني. ومع أن انتقادات الحكومة المكلّفة تعبّر عن شعور مشروع بضرورة احترام السيادة، إلا أن التعامل العدائي مع البعثة الأممية قد يفاقم عزلة البلاد ويقلّص فرصها في الحصول على دعم دولي ضروري لإجراء الانتخابات وتحقيق الاستقرار.
يبقى مستقبل العلاقة بين طرابلس والمنظمة الأممية رهيناً بقدرة الليبيين على تجاوز انقساماتهم، فكلما طال أمد الخلاف الداخلي، ازدادت مساحة تدخل الخارج. ولعل الخروج من المأزق السياسي لا يبدأ من مجلس الأمن، بل من توافق وطني حقيقي داخل ليبيا يعيد تعريف العلاقة مع الأمم المتحدة من موقع الندّية والشراكة، لا التبعية أو القطيعة. حينها فقط يمكن لليبيا أن تنتقل من مرحلة الاتهامات المتبادلة إلى مرحلة بناء الدولة، وأن تتحول بعثة الأمم المتحدة من عبء سياسي إلى شريك في الاستقرار والتنمية.






