باشر الفريق صدام حفتر أولى مهامه الرسمية بعد أدائه اليمين نائباً لوالده، المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني الليبي» المتمركز في شرق البلاد، بخطوة وُصفت باللافتة، حيث استقبل وفداً عسكرياً تركياً في ميناء بنغازي.
اللقاء الذي جرى على متن البارجة التركية «جزيرة الحنّة» حمل إشارات واضحة إلى رغبة الجانبين في فتح قنوات تعاون جديدة، خصوصاً في المجال البحري.
زيارة بحرية تعكس تحوّلات إقليمية
زيارة الوفد العسكري التركي إلى بنغازي تأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات بين القوى الإقليمية المتدخلة في الملف الليبي.
فبينما دعمت أنقرة في السنوات الماضية حكومة طرابلس عسكرياً، يشكل استقبالها من قِبل القيادة في شرق ليبيا مؤشراً على تحولات لافتة في موازين التحالفات وربما بداية لإعادة رسم خريطة التعاون الأمني في المتوسط. كما ينظر البعض إلى هذه الزيارة باعتبارها محاولة لإذابة الجليد بين أنقرة وبنغازي بعد سنوات من القطيعة.
بحسب بيان مكتب القيادة العامة، ناقش صدام حفتر مع الوفد التركي سبل تعزيز التعاون البحري والعسكري وتبادل الخبرات الفنية والتقنية.
وأكد البيان أن الزيارة تعكس «عمق العلاقات التاريخية بين القوات البحرية الليبية والتركية»، في إشارة إلى الروابط التي تعود إلى عقود مضت، حينما كانت البحرية التركية حاضرة في مياه المتوسط إلى جانب ليبيا.
كما شدد الجانبان على ضرورة تطوير قنوات الاتصال بين القوات البحرية في البلدين بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليمي.
دلالات سياسية تتجاوز الجانب العسكري
يرى مراقبون أن الخطوة تحمل بعداً سياسياً يتجاوز إطار التعاون الفني، إذ تعكس رغبة صدام حفتر في إظهار نفسه كوجه جديد في معادلة التوازنات الدولية في ليبيا.
فلقاء وفد تركي في مدينة بنغازي، المعقل الرئيسي للجيش الوطني، قد يفتح الباب أمام مرحلة تفاهمات جديدة بين أنقرة وشرق ليبيا، بما يخفف من حدة الاستقطاب الذي طبع المشهد السياسي والعسكري خلال السنوات الماضية.
وصدام حفتر، الذي برز اسمه خلال السنوات الأخيرة في المشهد العسكري والسياسي، يُنظر إليه باعتباره الوريث المحتمل لقيادة الجيش الوطني الليبي خلفاً لوالده. وأداؤه اليمين نائباً للقائد العام اعتُبر خطوة نحو ترسيخ دوره الرسمي وتعزيز حضوره في المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ويأتي استقباله الوفد التركي ليمنحه زخماً إضافياً ويضعه في دائرة الضوء كصانع قرار في المرحلة المقبلة.
لطالما ارتبط الدور التركي في ليبيا بدعم حكومة طرابلس عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية منذ عام 2019. غير أن التواصل المباشر مع قيادة الشرق، ممثلة في صدام حفتر، يعكس تغيراً في المقاربة التركية وربما رغبة في إعادة التوازن لعلاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.
فتركيا التي تملك مصالح استراتيجية في شرق المتوسط تدرك أن أي تسوية مستقبلية في ليبيا لن تكتمل دون شراكة مع القوى المسيطرة في بنغازي.
رسائل داخلية وخارجية
اختيار صدام حفتر أن تكون أولى مهامه لقاءً مع وفد عسكري تركي، يحمل رسائل داخلية أيضاً، إذ يسعى لإثبات حضوره كلاعب رئيسي قادر على إدارة الملفات الاستراتيجية بعيداً عن والده.
كما يبعث برسالة خارجية إلى المجتمع الدولي مفادها أن القيادة في الشرق منفتحة على التعاون مع مختلف الأطراف، بما في ذلك تركيا، التي كانت حتى وقت قريب في موقع الخصومة.
وأثارت هذه الخطوة ردود فعل متباينة في الأوساط الليبية؛ فبينما رحب البعض بها باعتبارها مدخلاً لتخفيف الاستقطاب وفتح باب التفاهم مع أنقرة، عبّر آخرون عن قلقهم من أن تؤدي إلى تنازلات قد تُضعف موقف الشرق في المعادلة الوطنية.
أما إقليمياً، فقد تابعت عواصم عدة هذه الزيارة باهتمام بالغ، خصوصاً أن تركيا لعبت دوراً محورياً في النزاع الليبي خلال السنوات الماضية.
مستقبل العلاقات الليبية – التركية
اللقاء يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة مقدمة لانعطافة سياسية في علاقة شرق ليبيا مع أنقرة، أم أنها تظل مجرد بادرة بروتوكولية في إطار تواصل بحري روتيني.
لكن الواضح أن صدام حفتر بدأ مسيرته الرسمية بخطوة تحمل الكثير من الرمزية وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة في المشهد الليبي، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام بين شرق وغرب البلاد.






