تتزايد مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران، مع تحذير السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، من احتمال شنّ ضربة عسكرية على إيران في وقت مبكر من نهاية الأسبوع، بالتزامن مع تأكيده أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام التوصل إلى اتفاق دبلوماسي. وبين التلويح بالقوة واستمرار المفاوضات، تتكشف تباينات في الأهداف المعلنة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، خصوصاً بشأن مستقبل النظام الإيراني.
واشنطن تلوّح بالخيار العسكري وتُبقي باب التفاوض مفتوحاً
قال السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم برّاك، إن احتمال شنّ الولايات المتحدة هجوماً على إيران مع نهاية الأسبوع «قائم بالتأكيد»، في تصريح يعكس استمرار حضور الخيار العسكري في حسابات الإدارة الأميركية، رغم حديثها عن فرص التسوية الدبلوماسية.
وجاءت تصريحات برّاك خلال مقابلة مع المعلّق على الإنترنت ماريو نوفل، رداً على سؤال بشأن إمكانية تنفيذ ضربة أميركية خلال الأيام المقبلة، إذ أجاب بالإيجاب، من دون أن يقدم تفاصيل بشأن طبيعة العملية المحتملة أو أهدافها أو نطاقها.
وفي الوقت نفسه، شدد المسؤول الأميركي على أن الرئيس دونالد ترامب لا يزال مستعداً للتوصل إلى اتفاق، مشيراً إلى أن واشنطن وطهران أمضتا أشهراً في المفاوضات.
وقال برّاك إن منع الانتشار النووي ومستقبل تخصيب اليورانيوم يمثلان جزءاً من التفاصيل التي ينبغي حسمها ضمن اتفاق أوسع، في إشارة إلى أن الخلافات التقنية المتعلقة بالبرنامج النووي ليست سوى جانب من مجموعة ملفات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.
الملف النووي ليس العقدة الوحيدة
تكشف تصريحات برّاك أن المفاوضات المحتملة لا تقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل تمتد إلى ترتيبات أوسع تشمل تجميد الأصول ورفع العقوبات ووقف العمليات العسكرية، إلى جانب ضمان المساعدة الأميركية لإسرائيل.
ويشير هذا الطرح إلى أن أي تسوية محتملة قد تتطلب تفاهمات متبادلة تتجاوز مسألة تخصيب اليورانيوم، لتشمل العقوبات الاقتصادية والضمانات الأمنية ومستقبل المواجهة الإقليمية.
لكن اتساع نطاق الملفات المطروحة يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق سريع، خصوصاً في ظل اختلاف الأولويات بين الأطراف المعنية. فواشنطن تسعى، وفق تصريحات مبعوثها، إلى صيغة تضمن الحد من المخاطر النووية والأمنية، فيما ترتبط حسابات إسرائيل بمخاوف أوسع من القدرات العسكرية الإيرانية ونفوذ طهران الإقليمي.
ولا توضح التصريحات ما إذا كانت هناك تفاهمات محددة بشأن هذه الملفات، أو ما إذا كانت المفاوضات قد وصلت إلى مرحلة متقدمة تسمح بتجنب المواجهة العسكرية.
ترامب بين الدبلوماسية والضغط العسكري
أكد برّاك أن الإدارة الأميركية تفضّل التوصل إلى اتفاق، لكنه كرر في الوقت نفسه تحذيرات سبق أن أطلقها ترامب بشأن ما وصفه بالتهديدات الإيرانية للولايات المتحدة وحلفائها ودول الخليج.
وقال إن عدم التوصل إلى اتفاق، مع استمرار هذه التهديدات، ستكون له عواقب.
وتعكس هذه المقاربة اعتماد واشنطن على الجمع بين المسار الدبلوماسي والضغط العسكري، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مفتوحة.
غير أن هذا الأسلوب ينطوي على مخاطر متبادلة؛ فالتلويح بضربة عسكرية قد يزيد الضغط على القيادة الإيرانية، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى التشدد في المفاوضات، خصوصاً إذا رأت أن تقديم تنازلات تحت التهديد لن يضمن وقف التصعيد أو رفع العقوبات.
وفي المقابل، فإن استمرار الغموض بشأن توقيت أي هجوم محتمل وأهدافه قد يزيد منسوب التوتر الإقليمي، حتى في غياب قرار معلن ببدء عملية عسكرية.
تغيير النظام ليس هدف واشنطن المعلن
في نقطة لافتة، قال برّاك إن الهدف الأميركي ليس تغيير النظام الإيراني، موضحاً أن ترامب لا يسعى، وفق تعبيره، إلى إسقاط السلطة في طهران، بل إلى إعادة التوازن وإنهاء التهديدات وضمان الاستقرار.
وأضاف أن تجارب تغيير الأنظمة تثير سؤالاً أساسياً بشأن ما سيحدث في اليوم التالي.
وتكشف هذه التصريحات عن تفضيل أميركي معلن للتوصل إلى ترتيبات أمنية وسياسية مع بقاء مؤسسات النظام الإيراني، بدلاً من الدخول في مشروع لتغيير السلطة وما قد يترتب عليه من اضطرابات داخلية وإقليمية.
فإسقاط النظام لا يعني بالضرورة إنهاء البرنامج النووي أو احتواء القدرات العسكرية الإيرانية، كما أن غياب تصور واضح لمرحلة ما بعد التغيير قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي أو صراعات داخلية يصعب احتواء تداعياتها.
ومع ذلك، لا تعني استبعاد واشنطن المعلن لتغيير النظام أن أهداف أي عملية عسكرية محتملة قد حُسمت، إذ لم يقدم برّاك تفاصيل محددة بشأن الأهداف العسكرية التي يمكن أن تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها في حال فشل المفاوضات.
نتنياهو يطرح هدفاً مختلفاً
تأتي تصريحات برّاك في وقت قال فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت سابق من الأسبوع، إنه شدد خلال اتصال هاتفي مع ترامب على ضرورة إسقاط النظام الإيراني.
ويبرز هذا الموقف اختلافاً مهماً في الأهداف السياسية المعلنة بين واشنطن وتل أبيب. فبينما تتحدث الإدارة الأميركية عن إعادة التوازن واحتواء التهديدات، يطرح نتنياهو تغيير النظام باعتباره هدفاً مطلوباً.
ولا يعني هذا التباين بالضرورة وجود خلاف حاسم بين الحليفين بشأن كيفية التعامل مع إيران، لكنه يسلط الضوء على احتمال اختلاف حساباتهما بشأن النتائج النهائية لأي مواجهة.
فبالنسبة إلى إسرائيل، قد يُنظر إلى تغيير النظام باعتباره وسيلة لإنهاء ما تعتبره تهديداً استراتيجياً طويل الأمد. أما واشنطن، فإن تصريحات مبعوثها توحي بتركيز أكبر على تحقيق نتائج أمنية قابلة للقياس، من دون الالتزام بمشروع سياسي قد تكون كلفته مرتفعة وغير مضمونة النتائج.
ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من التوفيق بين هذين التصورين، خصوصاً إذا انتقلت المواجهة من الضغط السياسي والاقتصادي إلى العمل العسكري المباشر.
هل تتحول التهديدات إلى مواجهة مفتوحة؟
رغم تأكيد برّاك أن احتمال شنّ ضربة أميركية نهاية الأسبوع قائم، فإن تصريحاته لا تشكل بحد ذاتها تأكيداً بصدور قرار نهائي بتنفيذ الهجوم. كما أنها لا تتضمن تفاصيل تسمح بالجزم بموعد العملية المحتملة أو طبيعتها.
وتتوقف فرص تجنب المواجهة على قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى تفاهمات بشأن البرنامج النووي والعقوبات والضمانات الأمنية، إلى جانب احتواء الخلافات المرتبطة بأمن إسرائيل ودول الخليج.
لكن في حال فشل المسار الدبلوماسي، فإن تنفيذ ضربة أميركية قد يفتح مرحلة جديدة من التصعيد، تتجاوز حدود المواجهة الثنائية، تبعاً لطبيعة الرد الإيراني والأهداف التي قد تختار واشنطن استهدافها.
وفي مثل هذا السيناريو، لن يقتصر التحدي على حجم الضربة العسكرية، بل سيمتد إلى كيفية منع تحولها إلى سلسلة من الردود المتبادلة التي قد تهدد أمن المنطقة وممرات الطاقة والملاحة.
وبينما تلوّح واشنطن بالقوة وتؤكد استعدادها للتفاوض، يبقى الاختبار الحقيقي في مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة. فالسؤال لم يعد متعلقاً بإمكانية وقوع ضربة عسكرية فحسب، بل أيضاً بما إذا كانت أي مواجهة محتملة ستُستخدم للضغط من أجل اتفاق، أم ستطلق مساراً تصعيدياً يصعب التحكم في نهايته.






