كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن نظيره العماني نقل، خلال زيارة قصيرة إلى طهران السبت، بنود مقترح أميركي جديد يهدف إلى التوصل إلى اتفاق نووي بين واشنطن وطهران.
وبحسب ما نشره عراقجي على منصة “إكس”، فإن إيران ستدرس المقترح وترد عليه “بما يتماشى مع المبادئ والمصالح الوطنية وحقوق الشعب الإيراني”، في إشارة تقليدية تستخدمها الدبلوماسية الإيرانية عند التعامل مع المبادرات الغربية، وغالبًا ما تُوظّف للإيحاء بالمرونة من دون الالتزام الفوري.
اللافت أن هذا التطور يأتي قبل جولة سادسة مرتقبة من المفاوضات النووية بين البلدين، رغم أن تفاصيل الزمان والمكان لا تزال طي الكتمان، ما يعكس ترددًا أو تعثرًا في التوصل إلى أرضية مشتركة تُستأنف منها المفاوضات بشكل رسمي.
خلفية التوتر: تصعيد متبادل وتقرير مثير للجدل
تزامن الإعلان الإيراني مع تصعيد متبادل بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، على خلفية تقرير جديد أصدرته الأخيرة، اتهمت فيه إيران بعدم الشفافية في ملفها النووي. التقرير أثار استياء طهران التي وصفته في بيان رسمي بأنه “سياسي وغير متوازن”، مؤكدة أنه “يكرر اتهامات لا أساس لها” ويفتقر إلى الموضوعية في تقييم الوضع الراهن.
وتكمن أهمية هذا البيان الإيراني في توقيته، إذ يأتي قبيل اجتماع مرتقب لمجلس محافظي الوكالة، ما يوحي بقلق إيراني من احتمالية اتخاذ قرار دولي ضدها قد يُعقد المفاوضات أو يعيد التصعيد إلى واجهتها. وقد توعّدت طهران باتخاذ “التدابير المناسبة” في حال سلكت الوكالة هذا الاتجاه.
الاتهام المكرر: إسرائيل على طاولة الاتهام
ضمن المسار الدفاعي الذي تتبعه طهران في مواجهة التقارير الدولية، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية إسرائيل مجددًا بتزويد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بـ”معلومات غير موثوقة ومضللة”. ورأت أن هذا الاعتماد المفرط من الوكالة على “مصادر صهيونية” يناقض مبادئ العمل المهني والحياد الذي يُفترض أن تحافظ عليه الوكالة.
إيران عادة ما تلجأ إلى هذا التكتيك في اللحظات الحرجة من اشتداد الضغوط الدولية، لتضع الشكوك في مصدر المعلومات بدلاً من الرد على مضمونها، وهو أسلوب يحاول النأي بالموقف الإيراني عن المواجهة المباشرة مع المجتمع الدولي، وتحويل النقاش نحو التشكيك في نزاهة الجهات المتابعة.
ما وراء الخبر: بوابة عُمانية لحوار مشروط
عودة الوساطة العمانية إلى الواجهة لا تعني بالضرورة انفراجة قريبة في المفاوضات النووية، لكنها توحي بأن القنوات الخلفية لا تزال نشطة، وأن واشنطن تبحث عن “نافذة تكتيكية” للتفاوض بعيدًا عن السجالات العلنية. لكن في الوقت نفسه، فإن الإصرار الإيراني على ربط الرد بـ”المصالح الوطنية” يشير إلى أن طهران لن تقدم تنازلات مجانية، خصوصًا بعد التصعيد الأخير مع الوكالة الدولية.
عُمان، التي طالما أدت دور الوسيط الصامت بين طهران والعواصم الغربية، تواصل لعب هذا الدور في ظل الفتور الأوروبي، والانشغال الأميركي بملفات داخلية واقتراب الاستحقاق الانتخابي. ويبدو أن واشنطن اختارت الطريق الأقصر لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، مستفيدة من العلاقة الوثيقة بين مسقط وطهران.
لكن من الواضح أن طهران تسعى إلى تجزئة التفاوض، وربطه بمسارات موازية تشمل تخفيف العقوبات، وضمانات أميركية مستقبلية، وربما مقايضات إقليمية تتعلق باليمن وسوريا ولبنان.
مفترق طرق جديد.. دون إعلان
الملف النووي الإيراني يقف اليوم عند مفترق جديد، لا تُعلن فيه المواقف بوضوح، بل تُدار عبر رسائل مبطنة وقنوات خلفية، تارة بالتصعيد الكلامي ضد الوكالة، وتارة بمد اليد إلى وسيط تقليدي مثل عمان. وفي الحالتين، يبدو أن طهران تدير الأزمة بمنطق “الخطوة المحسوبة”، دون التفريط بأي ورقة، أو القفز في الهواء نحو اتفاق لا يضمن لها شيئًا في المدى البعيد.
من هنا، فإن الجولة السادسة المنتظرة من المحادثات النووية قد تكون مجرد جولة جس نبض جديدة، ما لم يتم الاتفاق مسبقًا على شكل وحدود الصفقة التي قد تخرج منها، لا سيما في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، وانخراط طهران في ملفات إقليمية معقدة تشكل ضغطًا إضافيًا على بيئة التفاوض.






