تشهد الساحة الداخلية في دولة الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أعنف الأزمات السياسية والاجتماعية منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث تتزايد الاحتجاجات الشعبية المطالِبة بوقف الحرب والإفراج عن الأسرى المحتجزين في القطاع، في مقابل هجوم عنيف يقوده وزراء ومسؤولون في الحكومة ضد هذه التحركات. وبينما ترى عائلات الأسرى وأنصارها أن الضغط الشعبي هو السبيل الوحيد لدفع الحكومة نحو اتفاق تبادل، تصرّ المؤسسة الرسمية على تصوير الاحتجاجات باعتبارها “خطأ استراتيجيًا” يمنح حركة حماس أوراق قوة إضافية.
إجبار إسرائيل على الاستسلام
منذ ساعات الصباح، أغلقت مجموعات من المتظاهرين شوارع رئيسية في مدن عدة، أبرزها شارع “أيالون” الحيوي بتل أبيب، ما أدى إلى اختناقات مرورية خانقة وتعطيل الحياة اليومية. هذا المشهد انعكس في خطاب الحكومة التي سعت إلى نزع الشرعية عن التحركات، معتبرةً أن أي تعطيل داخلي يصب في صالح “العدو”. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ذهب أبعد من ذلك حين وصف الاحتجاجات بأنها “حملة سيئة تدفن الأسرى في الأنفاق”، محاولًا تصويرها كجزء من مشروع يسعى إلى “إجبار إسرائيل على الاستسلام” في مواجهة حماس. هذا الخطاب الموجه لا ينفصل عن محاولات الحكومة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، في ظل تصاعد الأصوات التي تتهمها بالعجز عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة، سواء القضاء على حماس أو استعادة الأسرى.
إلى جانب سموتريتش، شنّ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزيرة المواصلات ميري ريغيف ووزير الثقافة ميكي زوهار حملة مماثلة، ربطت بين الاحتجاجات الراهنة ومحاولات “إضعاف إسرائيل” قبل السابع من أكتوبر، في محاولة لإلصاق المسؤولية التاريخية بأي جهة معارضة. هذا النمط من الخطاب يعكس إدراكًا عميقًا لدى الحكومة أن مشهد الانقسام الداخلي بات يهدد قدرتها على مواصلة الحرب، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا ودبلوماسيًا أيضًا. فكل مشهد شارع مغلق أو إطارات مشتعلة يضعف رواية الحكومة أمام الرأي العام العالمي، الذي يتابع صور الاحتجاجات بالتزامن مع الكارثة الإنسانية في غزة.
الضغط على حماس
على الجانب الآخر، جاء ردّ عائلات الأسرى أكثر حدة، إذ اتهمت الحكومة بالاختباء خلف “المناورات والحسابات السياسية”، مؤكدة أن التاريخ سيسجل من وقف مع العائلات ومن تخلى عنها. هذا الرد يكشف أن الأزمة تجاوزت كونها مجرد خلاف حول تكتيكات أو خيارات سياسية، لتتحول إلى مواجهة مفتوحة حول مفهوم المسؤولية الوطنية. فبينما تسعى الحكومة إلى كسب الوقت على أمل تحقيق “نصر كامل”، ترى العائلات أن كل يوم تأخير يعني مزيدًا من المخاطر على حياة أبنائهم.
المفارقة أن الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ حاول التوفيق بين الموقفين، إذ أكد أن “لا يوجد إسرائيلي لا يريد الأسرى في البيت”، لكنه وجّه خطابه نحو الخارج، داعيًا المجتمع الدولي إلى الضغط على حماس. هذه الإشارة تحمل دلالتين: الأولى أن الانقسام الداخلي بلغ مستوى يستدعي تدخل رأس الدولة لمحاولة امتصاص التوتر، والثانية أن المؤسسة الرسمية باتت تراهن على ضغط خارجي لتخفيف الضغط الداخلي.
ما يجري في شوارع إسرائيل يعكس تآكل السردية الرسمية حول الحرب. فبدل صورة “الوحدة الوطنية” التي سعت الحكومة إلى ترسيخها بعد السابع من أكتوبر، تبرز اليوم صورة مجتمع منقسم بين حكومة مصممة على مواصلة الحرب حتى النهاية، وشريحة متنامية ترى في ذلك تهديدًا مباشرًا لحياة الأسرى ومستقبل الدولة نفسها. هذا الانقسام لا يضعف فقط قدرة الحكومة على المناورة السياسية، بل يكشف أيضًا عمق المأزق الذي تعيشه إسرائيل بين أهدافها المعلنة وواقعها الميداني والسياسي المتصدع.






