عاشت مدينة برمنغهام البريطانية ليلة دامية بعد أن شهدت حادثة طعن مروّعة لامرأة في الثلاثينات من عمرها، أصيبت بجروح خطيرة في الرقبة وجرى نقلها إلى المستشفى في حالة حرجة.
صدمة جديدة في قلب المدينة
الحادث، الذي وصفته الشرطة بأنه “هجوم غير مبرر”، أعاد إلى الأذهان موجات العنف التي عصفت بالمدن البريطانية خلال السنوات الأخيرة، وأثار من جديد الجدل حول تصاعد الجرائم الفردية في الشوارع العامة.
وأكدت شرطة ويست ميدلاندز أنها تلقت بلاغاً مساء الجمعة يفيد بوقوع الاعتداء في شارع سمولبروك كوينزواي، أحد أكثر المناطق ازدحاماً في وسط المدينة، حيث هرعت قوات الأمن إلى المكان وألقت القبض على رجل في العشرينات من عمره بالقرب من موقع الحادث.
ووفقاً لبيان الشرطة، فإن المشتبه به محتجز حالياً قيد التحقيق، فيما لم تكشف السلطات بعد عن أي دوافع واضحة للجريمة.
الحادث وقع في وقتٍ كانت فيه المدينة تشهد نشاطاً تجارياً وسياحياً معتاداً، ما جعل المشهد أكثر فزعاً لدى المارة الذين شاهدوا الواقعة عن قرب. ومع انتشار خبر الطعن عبر وسائل الإعلام، بدأ القلق يتزايد بين السكان حول أمنهم الشخصي، وسط دعوات لتعزيز التواجد الأمني في المراكز الحضرية الكبرى.
ويأتي هذا الاعتداء ليعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في بريطانيا خلال العقد الأخير: “جرائم الطعن” التي باتت تشكّل تهديداً متزايداً للأمن العام، وتثير تساؤلات حول الأسباب الاجتماعية والنفسية التي تدفع بعض الأفراد إلى ارتكاب هجمات مفاجئة وعشوائية دون مبرر ظاهر.
تصاعد لافت في حوادث الطعن
إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية تشير إلى أن جرائم الطعن شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 2018، خاصة في المدن الكبرى مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام، فوفقاً لآخر تقرير أمني رسمي، تم تسجيل أكثر من 45 ألف حادثة اعتداء بسلاح أبيض خلال عام واحد، أي بمعدل يتجاوز مائة حادثة يومياً على مستوى البلاد.
ويحذر خبراء من أن بعض هذه الحوادث لا ترتبط بعصابات الجريمة المنظمة فحسب، بل تنبع أيضاً من اضطرابات نفسية حادة أو حالات غضب لحظي تدفع إلى سلوك عنيف غير متوقع، كما أن الانتشار الواسع للسكاكين القابلة للطي وسهولة شرائها عبر الإنترنت يزيد من خطورة الموقف.
في المقابل، تواجه الشرطة البريطانية ضغوطاً متزايدة بسبب نقص الموارد والكوادر بعد سنوات من تقليص الإنفاق الحكومي، وهو ما يضعف قدرتها على الاستجابة السريعة لكل حادث أو مراقبة التهديدات المحتملة بشكل استباقي.
ومع أن الحكومة أطلقت حملات مثل “No Knives, Better Lives” للتوعية بمخاطر حمل السلاح الأبيض، فإن فعاليتها لا تزال محدودة، خصوصاً في الأحياء الفقيرة التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الخدمات الاجتماعية.
الهجوم العشوائي.. عنوان مرحلة جديدة
تصف الشرطة حادثة برمنغهام بأنها “هجوم غير مبرر”، وهو توصيف يعكس قلقاً متزايداً من التحول في طبيعة الجرائم داخل المدن البريطانية، فبينما كانت حوادث الطعن سابقاً مرتبطة غالباً بمشاجرات أو تصفيات حسابات، باتت اليوم أكثر عشوائية وغير متوقعة.
هذا النمط الجديد من العنف، بحسب محللين، يهدد مفهوم “الأمن المدني” في المجتمعات الغربية، حيث يشعر المواطن العادي أن الخطر قد يداهمه في أي لحظة، دون أن يكون طرفاً في أي نزاع.
ويقول خبراء علم الاجتماع إن مثل هذه الأفعال العشوائية تنبع في كثير من الأحيان من اضطرابات نفسية، أو من رغبة في لفت الانتباه عبر سلوك عنيف وصادم.
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع أن بعض هذه الجرائم تُنفذ في أماكن عامة مزدحمة، ما يجعلها تزرع الخوف في نفوس المارة وتؤثر على الحياة اليومية في المدن، سواء في التسوق أو استخدام المواصلات العامة أو حتى التجول مساءً.
وبرغم تأكيد الشرطة أن حادث برمنغهام لا يُعتقد أنه إرهابي الطابع، فإنها لم تستبعد احتمال وجود دوافع خفية أو حالة نفسية دفعت المشتبه به لارتكاب جريمته.
صدمة مجتمعية واستنفار أمني
بعد ساعات من الحادث، كثفت الشرطة وجودها في شوارع برمنغهام، ونصبت حواجز أمنية في محيط موقع الجريمة لجمع الأدلة واستجواب الشهود. كما انتشرت فرق الدعم النفسي في المنطقة لتقديم المساعدة للمارة الذين شهدوا المشهد الدموي.
السلطات المحلية عبّرت عن قلقها البالغ من “انتكاسة أمنية” في المدينة، خصوصاً مع اقتراب موسم الشتاء الذي عادة ما يشهد زيادة في الحوادث نتيجة الضغوط الاقتصادية والمناخية، وطالبت مجالس البلديات بدعم أكبر من وزارة الداخلية لتعزيز دوريات الشرطة خلال الفترات الليلية.
أما سكان المنطقة فقد عبّروا عن شعورهم بالعجز والخوف، مشيرين إلى أن الحوادث العشوائية باتت تفرض عليهم تغيير أنماط حياتهم اليومية، والابتعاد عن الأماكن المزدحمة ليلاً.
في المقابل، حاولت الشرطة طمأنة الأهالي، مؤكدة أنها لا تبحث عن مشتبهين آخرين، وأن التحقيقات تسير في اتجاه معرفة خلفية الجريمة ودوافع المهاجم الذي لا يبدو مرتبطاً بعصابة أو تنظيم.
الأسباب أعمق من مجرد جريمة
الخبير الأمني البريطاني ريتشارد هولمز يرى أن حادثة برمنغهام ليست واقعة منفصلة، بل جزء من سلسلة طويلة من جرائم العنف التي تكشف عن هشاشة متنامية في البنية الاجتماعية والأمنية البريطانية.
ويقول هولمز في تصريحات خاصة: “ما نشهده اليوم هو مزيج من الضغوط النفسية والاقتصادية، وتراجع سلطة الردع في الشارع البريطاني، فالجريمة لم تعد حكراً على العصابات، بل أصبحت سلوكاً عشوائياً يصدر من أفراد يعيشون حالة فقدان توازن”.
ويضيف أن السياسة الحكومية التي قلّصت عدد رجال الشرطة بنحو 20 ألف عنصر خلال العقد الماضي، أسهمت في ضعف التغطية الأمنية بالمدن الكبرى، وهو ما ترك فراغاً تستغله الفوضى.
“الناس يشعرون أن الشرطة لا يمكنها التدخل في الوقت المناسب، وهذا يضاعف الشعور بانعدام الأمان”، على حد قوله.
ويشير الخبير إلى أن التكنولوجيا الحديثة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، لعبت دوراً سلبياً في بعض الحالات من خلال نشر ثقافة العنف أو تمجيدها في مقاطع فيديو، وهو ما يشجع بعض المراهقين أو الشباب على تقليدها.
جذور العنف في تهميش الشباب
أما الباحث الاجتماعي جوناثان مورغان فيرى أن ظاهرة الطعن لا يمكن فصلها عن الأزمات الاجتماعية التي تعيشها المدن البريطانية.
ويقول: “العديد من مرتكبي هذه الجرائم ينتمون إلى خلفيات فقيرة أو يعيشون عزلة اجتماعية ونفسية، في ظل تراجع دور المؤسسات التي كانت توفر لهم الدعم”.
ويضيف مورغان أن برامج التعليم والتوظيف تراجعت في كثير من المناطق الحضرية، ما جعل شريحة الشباب تشعر باللاجدوى واليأس.”حين تغيب الفرص، يصبح العنف وسيلة تعبير عن الغضب أو التمرد”، على حد قوله.
ويؤكد أن تزايد الاضطرابات النفسية في صفوف الشباب البريطاني بات مقلقاً، خصوصاً بعد جائحة “كورونا”، التي عمّقت الشعور بالانعزال وفقدان التواصل الاجتماعي “الحوادث العشوائية مثل طعن امرأة في الشارع ليست مجرد أحداث جنائية، بل مؤشرات على أزمة قيم وافتقاد للهوية الجماعية”، كما يقول.
ويحذر مورغان من أن الاكتفاء بالحلول الأمنية لن يكون كافياً، فالمعالجة تحتاج إلى “سياسات اجتماعية شاملة” تعيد دمج الفئات المهمشة وتوفّر مسارات آمنة للتعبير عن الغضب والضغط النفسي.






