للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود، تحضر سوريا “اجتماعات الربيع” لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، في حدث يحمل من الرمزية والدلالة السياسية ما يفوق بكثير جدول الأعمال الاقتصادي الرسمي. الوفد السوري، الذي يترأسه وزير المالية في الحكومة الجديدة ومحافظ المصرف المركزي، ليس مجرد تمثيل بروتوكولي، بل هو رسالة مدروسة إلى العالم: أن سوريا بعد بشار الأسد قد بدأت مرحلة جديدة، وأنها قادمة إلى المجتمع الدولي لا كدولة معزولة، بل كطرف راغب في الشراكة والتكامل والتنمية.
من المقاطعة إلى التعاون
لسنوات طويلة، كانت سوريا تحت حكم بشار الأسد خارج المعادلة المالية العالمية، بفعل العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، وانهيار مؤسسات الدولة. لكن التغيير السياسي الذي عرفته البلاد عقب الإطاحة بالنظام السابق فتح الباب أمام مرحلة انتقالية تتسم بالوضوح في الرؤية والانفتاح على العالم. وكانت واشنطن، التي استضافت الاجتماعات، تدرك تمامًا أن السماح بمشاركة سوريا ليس مجرد استجابة لتغيّر الوقائع الميدانية، بل اعتراف بوجود سلطة جديدة تتعامل بعقلانية ومسؤولية في ملفات الاقتصاد والإصلاح.
هذه المشاركة، التي جاءت بناء على دعوة رسمية من إدارة صندوق النقد الدولي، تؤكد أن سوريا الجديدة لا تسعى فقط إلى استرداد موقعها، بل إلى إعادة تعريف هذا الموقع من خلال خطاب اقتصادي متزن، يقوم على التعاون لا المواجهة، وعلى الشفافية لا الشعارات.
الاقتصاد بوابة الاعتراف
تحرّك الوفد السوري في واشنطن كان لافتًا. فقد التقى ممثلين عن البنك الدولي، وعددًا من مديري البنوك الاستثمارية العالمية، إضافة إلى ممثلي دول مانحة كفرنسا وألمانيا وكندا. الحديث لم يكن فقط عن برامج الإنعاش الاقتصادي، بل عن إعادة هيكلة الدين، وسبل إطلاق مشاريع بنى تحتية ضخمة، وآليات بناء الثقة مع القطاع الخاص الدولي.
ما تقدّمه سوريا الجديدة اليوم من رؤية إصلاحية هو ما كان يُنتظر منذ سنوات: مؤسسات مالية مستقلة، تشريعات استثمارية مشجعة، ومحاربة حقيقية للفساد. ولهذا، فإن الأوساط المالية في واشنطن لم تتعامل مع الوفد السوري على أنه ضيف طارئ، بل على أنه شريك مُحتمل، في مرحلة ما بعد الحرب.
ما بعد السياسة.. ما بعد العزلة
سياسيًا، لا تقل المشاركة أهمية. فهي أول زيارة رسمية لمسؤولي الإدارة السورية الجديدة إلى الولايات المتحدة منذ عقود. وهذا في حد ذاته مؤشر على أن صفحة بشار الأسد قد طُويت فعليًا، وأن العالم – رغم تردده الظاهري – بدأ يتعامل مع الواقع السوري الجديد بمنطق الضرورة والتغيير لا بمنطق العقوبات والمقاطعة.
كما أن السماح لسوريا بالجلوس إلى طاولة واحدة مع دول القرار الاقتصادي العالمي يُشكل من جهة دعمًا سياسيًا ضمنيًا للنظام الجديد، ومن جهة أخرى اختبارًا أوليًا لمدى التزامه بخط الإصلاح والانفتاح. ومن المؤشرات الإيجابية، أن عدداً من مسؤولي المؤسسات المالية الدولية أعربوا عن استعدادهم لزيارة دمشق خلال الأشهر المقبلة، في إطار تقييم أولي لفرص إعادة الإعمار والشراكة.
سوريا 2025.. مختلفة
من الواضح أن سوريا 2025 ليست سوريا ما قبل الثورة، ولا سوريا ما بعد الحرب تحت حكم الأسد. هناك مزاج اقتصادي جديد، يُدرك أهمية التكامل الإقليمي، والاستفادة من الفرص لا المخاوف، ويعمل على الخروج من عقدة “الاستثناء السوري” التي فرضها النظام السابق طوال سنوات.
وبينما لا تزال الطريق طويلة نحو التعافي الكامل، فإن الخطوة التي مثّلتها مشاركة دمشق في اجتماعات واشنطن هي بداية موفقة لمسار يستحق أن يُمنح الدعم، لا العرقلة، خاصة وأن الشعب السوري دفع ثمنًا باهظًا من أجل هذه اللحظة.






