شهد قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة، خطوات تمهيدية جديدة تتعلق بإزالة آثار الدمار المتراكم، وفي مقدمتها رفع كميات ضخمة من النفايات والركام من المناطق السكنية والأسواق والشوارع، في خطوة تبدو ضرورية قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من إعادة تأهيل البنية التحتية وإعادة الإعمار.
وتبرز إزالة أكثر من 226 ألف طن من النفايات الصلبة من سوق فراس باعتبارها جزءًا من هذه الجهود، خاصة أن تراكم المخلفات لم يعد مجرد مشهد يعكس حجم الدمار، وإنما أصبح عائقًا أمام عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة.
ويبدو أن عملية إزالة هذه الكميات الكبيرة من النفايات تكشف عن حجم التحديات التي خلفتها الحرب داخل القطاع، إذ إن التعامل مع الأنقاض والمخلفات يحتاج إلى معدات متخصصة وفرق عمل قادرة على التحرك وسط مناطق تعرضت لدمار واسع، إلى جانب الحاجة إلى أماكن آمنة ومجهزة للتعامل مع النفايات ونقلها والتخلص منها بصورة لا تزيد من المخاطر البيئية والصحية.
ولذلك فإن ما يجري في سوق فراس يمكن النظر إليه باعتباره أكثر من مجرد عملية تنظيف، لأنه يمثل خطوة أولى في طريق طويل لإعادة تجهيز المناطق المتضررة لاستقبال أعمال الترميم والبناء.
ولا يمكن فصل ملف إزالة النفايات عن ملف إعادة الإعمار، فقبل أن تبدأ أعمال بناء المنازل والمنشآت وإصلاح الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، يصبح من الضروري إزالة المخلفات التي خلفها الدمار، وفتح الطرق والممرات، وتجهيز الأراضي والمناطق التي يمكن أن تستقبل مشروعات إعادة البناء. وربما تبدو هذه المرحلة في ظاهرها أقل أهمية من تشييد المباني الجديدة، لكنها في الواقع تمثل قاعدة أساسية لأي خطة إعمار، لأن استمرار تراكم النفايات والركام يعني بقاء كثير من المناطق غير صالحة للعودة الطبيعية للسكان أو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية.
كما أن حجم النفايات التي يجري التعامل معها يعكس بصورة مباشرة اتساع نطاق الأزمة الإنسانية والعمرانية التي شهدها القطاع، فكل طن تتم إزالته يعني في الأغلب التعامل مع آثار مبانٍ مدمرة أو منشآت متضررة أو مخلفات تراكمت نتيجة توقف الخدمات لفترات طويلة، ومن هنا فإن إزالة أكثر من 226 ألف طن من سوق فراس تحمل دلالة تتجاوز الرقم نفسه، لأنها توضح أن مرحلة ما بعد الحرب لا تبدأ فقط من لحظة وضع أول حجر في مشروع جديد، وإنما تبدأ كذلك من إزالة آثار الدمار وتهيئة المكان للحياة من جديد.
وربما تكون المرحلة الأولى من عملية التمهيد لإعادة الإعمار قد بدأت بالفعل من هذه الأعمال التي تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحتاج إلى جهود كبيرة وتنسيق مستمر، خاصة أن إعادة بناء غزة لن تكون عملية قصيرة أو محدودة، وإنما ستحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، وإلى موارد مالية ضخمة، وخطط واضحة تحدد الأولويات، بداية من إزالة الركام والنفايات، مرورًا بإعادة الخدمات الأساسية، وصولًا إلى إعادة بناء المنازل والمنشآت الاقتصادية والتعليمية والصحية التي تضررت خلال الحرب.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة إلى تكاتف الجهود العربية أكثر وضوحًا، ليس فقط على مستوى تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، وإنما أيضًا من خلال المشاركة في مراحل إعادة التأهيل والإعمار، ودعم الخطط التي تستهدف إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة، فالدعم العربي يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من المساهمة في المعدات والآليات اللازمة لإزالة الركام والنفايات، وتمتد إلى تمويل مشروعات البنية التحتية والإسكان والخدمات، بما يساعد على الانتقال تدريجيًا من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة إعادة بناء الحياة.
ولا يتعلق الأمر بالمساعدات المالية وحدها، لأن طبيعة الدمار الذي خلفته الحرب تفرض احتياجات فنية وهندسية وبيئية كبيرة، وربما تحتاج غزة إلى خبرات عربية ودولية في التعامل مع الأنقاض وإدارة النفايات وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق، إلى جانب التخطيط العمراني للمناطق التي تعرضت لأضرار واسعة، ولذلك فإن تكاتف الجهود يمكن أن يحقق نتائج أكبر من تحرك كل جهة بصورة منفردة، خصوصًا إذا جرى العمل وفق خطة واضحة تضع احتياجات السكان في مقدمة الأولويات.
ومن ناحية أخرى، فإن إزالة النفايات من سوق فراس وغيرها من المناطق المتضررة تحمل بعدًا صحيًا وبيئيًا لا يقل أهمية عن البعد العمراني، لأن تراكم المخلفات لفترات طويلة يمكن أن يزيد من مخاطر التلوث وانتشار الحشرات والأمراض، كما أن التعامل غير المنظم مع الركام قد يؤدي إلى مشكلات بيئية إضافية، ولذلك فإن عمليات الإزالة تحتاج إلى أن تتم وفق قواعد تضمن حماية السكان والعاملين، مع فرز المخلفات والتعامل معها بصورة مناسبة، خصوصًا في المناطق التي قد تحتوي على مواد خطرة أو مخلفات مرتبطة بالمباني والمنشآت التي تعرضت للدمار.
كما أن نجاح المرحلة الأولى من التمهيد للإعمار يمكن أن يبعث برسالة مهمة إلى سكان غزة، مفادها أن إعادة الحياة إلى المناطق المدمرة يمكن أن تبدأ بخطوات عملية حتى لو كانت تدريجية، ففتح شارع وإزالة الركام وتنظيف سوق أو إعادة تشغيل مرفق خدمي قد تبدو خطوات محدودة، لكنها بالنسبة إلى السكان تمثل بداية لاستعادة جزء من الحياة اليومية التي تعطلت، وربما يكون هذا الجانب الإنساني من عمليات الإعمار مهمًا بقدر أهمية المشروعات الكبرى، لأن السكان يحتاجون إلى رؤية تغييرات ملموسة على الأرض تمنحهم قدرًا من الأمل والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن إعادة الإعمار يجب ألا يقتصر على المباني والمنشآت، لأن إعادة بناء غزة تعني أيضًا إعادة بناء الاقتصاد وفرص العمل والخدمات العامة، وتمكين السكان من العودة إلى ممارسة حياتهم بصورة طبيعية. فالسوق الذي تتم إزالة نفاياته اليوم يجب أن يعود في المستقبل مساحة للنشاط التجاري، والطرق التي يجري فتحها تحتاج إلى أن تستعيد حركة المواطنين، والمناطق السكنية التي تزال منها الأنقاض تحتاج إلى أن تتحول لاحقًا إلى أحياء صالحة للحياة، وهو ما يتطلب رؤية متكاملة تتعامل مع الإعمار باعتباره مشروعًا لإعادة بناء المجتمع وليس مجرد إعادة تشييد الحجر.
وفي النهاية، فإن إزالة أكثر من 226 ألف طن من النفايات الصلبة من سوق فراس يمكن اعتبارها إحدى الخطوات التمهيدية في طريق طويل لإعادة إعمار غزة، لكنها في الوقت نفسه تذكر بحجم المهمة التي لا تزال تنتظر الجهات المعنية والدول والمؤسسات الداعمة، وإذا كانت المرحلة الأولى قد بدأت بإزالة آثار الدمار وتهيئة المناطق المتضررة، فإن المراحل التالية تحتاج إلى تكاتف عربي حقيقي وجهود منظمة ومستدامة، حتى تتحول عمليات إزالة الركام والنفايات إلى بداية فعلية لإعادة الخدمات والمنازل والأسواق والبنية التحتية، ويستعيد سكان غزة تدريجيًا مقومات الحياة التي فقدوها خلال سنوات الحرب.
أمينة خليفة






