بينما تنشغل وسائل الإعلام بأعداد الشهداء والدمار الناتج عن الحرب، هناك خطر آخر، صامت لكنه قاتل، يتهدد سكان غزة: خطر الأمراض. فبعد أكثر من سنة ونصف من القصف المستمر والحصار الخانق، أصبح قطاع غزة بيئة موبوءة تنذر بكارثة صحية غير مسبوقة، حيث تختلط مياه الشرب بالصرف الصحي، وتتحول النفايات الصلبة إلى جزء من المشهد اليومي، في ظل غياب تام لأي بنية تحتية قادرة على احتواء الموقف.
في شوارع غزة اليوم، لم يعد منظر أكوام القمامة مفاجئًا، ولا رائحة المجاري الطافحة غريبة. شبكات الصرف الصحي دُمرت، والمياه النظيفة أصبحت عملة نادرة. ما يزيد عن 90% من مياه القطاع غير صالحة للشرب، وأغلب السكان يعتمدون على مصادر بديلة ملوثة، أو على صهاريج مياه غير مراقبة صحيًا، تُوزّع عشوائيًا في ظروف غير إنسانية.
تكدّس القمامة في الأحياء، وغياب منظومة جمع النفايات، خلقا بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، وهو ما يهدد بانتقال أمراض قاتلة مثل التيفوئيد، الزحار، والكوليرا. وتزداد الخطورة مع وجود عشرات الآلاف من العائلات في خيام لا تتوفر فيها أبسط شروط النظافة، ما يجعل انتقال الأمراض أمرًا حتميًا.
الواقع في غزة لا يُنبئ فقط بانتشار أمراض الجهاز الهضمي والتسممات الغذائية، بل يتعدى ذلك إلى أزمات تنفسية حادة ناتجة عن استنشاق الهواء الملوث في بيئة خانقة، ومشاكل جلدية واسعة النطاق نتيجة انعدام المياه والنظافة الشخصية. أما الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط وأمراض القلب، فباتت تفتك بالمرضى بسبب انقطاع الأدوية والعجز الكامل للمستشفيات عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية.
خط الدفاع الأخير، المتمثل في النظام الصحي، قد انهار فعليًا. معظم المستشفيات لم تعد صالحة للعمل، فيما الباقي يعمل بطاقة لا تتجاوز 30% في أفضل الأحوال. المعدات متهالكة، الأدوية شحيحة، والأطباء يعملون في ظروف أشبه بالمستحيلة. ليس هناك قدرة حقيقية على احتواء أي وباء إذا تفشّى، ولا على تحليل عينات، أو عزل المصابين.
وتفاقم الأزمة الغذائية زاد الطين بلة. فمع انعدام الأمن الغذائي، لجأ السكان إلى تناول المعلبات المجهولة المصدر، والتي غالبًا ما تصلهم عبر معابر غير خاضعة للرقابة الصحية. هذه المواد الغذائية تحمل في طياتها خطر التسمم الغذائي والتهاب الكبد الفيروسي، خاصة في ظل غياب الكهرباء التي تعيق أي محاولة لحفظ الطعام بطريقة سليمة.
كل المؤشرات تُنبئ بأن القادم أخطر. فالموت في غزة لم يعد فقط نتيجة القصف، بل أصبح أيضًا نتيجة بطيئة ومستمرة، عبر الأمراض التي تتكاثر في بيئة ملوثة ومعزولة. ما يحدث الآن هو إبادة صحية بطيئة، ترتكب أمام أعين العالم.
المجتمع الدولي مطالب بالتحرك، لا فقط لوقف إطلاق النار، بل لحماية ما تبقى من أرواح. على منظمات الصحة العالمية أن تدخل فورًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بتوفير المياه الصالحة للشرب، وإدخال محطات متنقلة لمعالجة المياه، ومراقبة الأغذية، وإعادة تأهيل أنظمة الصرف، وتوفير مستشفيات ميدانية. هذا ليس ترفًا إنسانيًا، بل ضرورة عاجلة تمنع انزلاق غزة إلى كارثة صحية قد تسجَّل في التاريخ كأحد أفظع أشكال الإبادة الجماعية الصامتة.
لا يمكن أن يبقى العالم مكتوف الأيدي أمام جريمة كهذه، فالصمت هنا مشاركة، والتأخر في التدخل يعني توقيعًا غير مباشر على شهادة وفاة لآلاف الأبرياء الذين لم يُقتلوا بالقنابل، بل تُركوا ليواجهوا الموت عبر المرض والجوع والبيئة القاتلة.






