هل بدأت غزة بالفعل في طي صفحة الحروب، أم أن وقف إطلاق النار ليس سوى بداية لاختبار أصعب؟ الإجابة لن تتحدد بمجرد توقف القتال، وإنما بما سيحدث بعده: هل تنسحب إسرائيل، وهل تبدأ عملية إعادة إعمار حقيقية، وهل تنتقل إدارة القطاع إلى مؤسسات فلسطينية قادرة على العمل، وهل تتحول خارطة طريق نزع سلاح حماس من إطار تفاوضي إلى واقع على الأرض؟
موافقة حماس على اتفاق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بما يتضمنه من نزع تدريجي لسلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، تفتح الباب أمام ترتيب مختلف للمرحلة المقبلة. لكن قيمة هذا التطور لن تتحدد بنصوص الاتفاق، وإنما بقدرته على تحويل التفاهمات إلى خطوات متزامنة تنهي الحرب وتؤسس لواقع جديد في القطاع.
غزة لا تحتاج إلى وقف إطلاق النار فقط، وإنما إلى استعادة مقومات الحياة: مساكن، ومستشفيات، ومدارس، وشبكات مياه وكهرباء، وبنية تحتية واقتصاد قادر على استيعاب السكان. وقدرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات. لكن توفير التمويل لا يعني أن عملية البناء ستبدأ تلقائياً؛ إذ تحتاج إلى إزالة الركام، وإدخال المعدات ومواد البناء، والوصول إلى المناطق المتضررة، ووجود بيئة أمنية تسمح بتنفيذ المشروعات.
ومن هنا تصبح مسؤولية إسرائيل أساسية. فانسحاب القوات، وفتح المعابر، وتسهيل دخول المساعدات ومستلزمات البناء، عناصر لا يمكن فصلها عن نجاح أي خطة لإعادة إعمار القطاع. وإذا تعطلت هذه العملية، فقد يظل وقف إطلاق النار قائماً من الناحية الرسمية، بينما تبقى غزة عالقة في واقع الحرب من حيث آثارها المعيشية والاقتصادية.
وهذا هو الجانب الذي يتجاوز الأزمة الإنسانية إلى الأمن. فاستمرار الدمار والبطالة والفقر، مع غياب أفق سياسي، قد يوفر بيئة تساعد حماس أو غيرها من الفصائل المسلحة على استعادة حضورها وإعادة بناء بعض قدراتها تدريجياً، ولا يعني ذلك أن العودة إلى العمل المسلح حتمية، لكنه احتمال يصبح أكثر قابلية للظهور إذا بقيت أسباب الصراع الأساسية من دون معالجة.
فعلى حماس أن تلتزم بموافقتها على نزع السلاح، فالحركة أمام مسؤولية واضحة تجاه المسار الجديد. فإذا كان الاتفاق يستهدف الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سياسية ومدنية، فإن الالتزام بنزع السلاح وعدم إعادة بناء القدرات العسكرية سيكون جزءاً أساسياً من نجاحه. لكن هذا المسار لا يمكن أن يقوم على التزام طرف واحد؛ إذ يحتاج إلى انسحاب إسرائيلي، ووقف مستدام للعمليات العسكرية، وبدء فعلي لإعادة الإعمار.
وتبقى إدارة القطاع عنصراً حاسماً في هذه المعادلة. فاللجنة التكنوقراطية المقترحة يمكن أن تضطلع بإدارة الخدمات ومشروعات التعافي، لكن نجاحها يتطلب صلاحيات حقيقية وموارد كافية ومرجعية فلسطينية واضحة. فإعادة بناء المنازل والبنية التحتية لن تكون كافية وحدها إذا بقيت غزة بلا مؤسسات قادرة على إدارة الحياة اليومية وتحمل مسؤولية المرحلة التالية.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة الثانية ليس في إعلان الموافقة على الاتفاق، وإنما في التنفيذ: نزع السلاح من جانب حماس، وانسحاب إسرائيلي وفق ترتيبات واضحة، وتوقف العمليات العسكرية، وفتح الطريق أمام الإعمار، وقيام إدارة فلسطينية قادرة على العمل.
إذا تحققت هذه الخطوات معاً، فقد تحصل غزة على فرصة حقيقية للخروج من دائرة المواجهة. أما إذا تعطل الانسحاب أو تأخر الإعمار، وبقي السكان يعيشون وسط الدمار، فإن البيئة التي يمكن أن تعيد إنتاج الصراع ستظل قائمة، وقد تجد حماس مساحة لاستعادة قدراتها تدريجياً.
لهذا فإن الإعمار ليس مرحلة لاحقة للحرب فحسب، بل جزء من معادلة إنهائها. فحين تستعيد غزة مساكنها وخدماتها واقتصادها، وتقوم فيها مؤسسات قادرة على إدارة الحياة، وتترافق هذه العملية مع ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للاستمرار، يصبح طي صفحة الحروب احتمالاً عملياً. أما إذا بقيت التفاهمات أكبر من قدرتها على تغيير الواقع، فقد يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد هدنة بين مواجهتين.






