تقرير | غزة
ثلاث منح دراسية في الخارج كانت كفيلة بأن تفتح أمام حافظ، الشاب الفلسطيني البالغ من العمر 20 عامًا، طريقًا مختلفًا نحو المستقبل. لكنه لم يتمكن من مغادرة غزة للحصول على أي منها.
كان حافظ واحدًا من الطلاب المتفوقين الذين بنوا أحلامهم على الدراسة خارج القطاع، قبل أن تتحول الحرب إلى حاجز آخر أمام تلك الأحلام. ومع إغلاق المعابر وتعطل الحياة التعليمية في غزة، أصبحت المنحة التي ينتظرها الطالب بوابة لا يستطيع الوصول إليها.
اليوم، لم تعد في غزة جامعة يعود إليها حافظ، ولا كهرباء مستقرة، ولا حياة جامعية يمكن استئنافها بسهولة. ومع ذلك، لا يزال يحاول الدراسة والتواصل مع العالم الخارجي من مكانه.
الهاتف بدلًا من الجامعة
يحمل حافظ هاتفه ويمشي بحثًا عن إشارة اتصال.
عندما يعثر على قدر كافٍ من الشبكة، يتوقف في مكانه ويرسل رسائل البريد الإلكتروني ويتابع طلباته الدراسية ويحاول ألا ينقطع تمامًا عن العالم الذي كان يستعد للانضمام إليه.
يقول حافظ:
«الجنة هي مكتبي. هذه جامعتي. إنها صلتي الوحيدة ببقية العالم».
لم يعد التعليم بالنسبة إليه قاعة دراسية أو مكتبة أو حاسوبًا متصلًا بالكهرباء. أصبح بحثًا يوميًا عن إشارة هاتف تسمح له بإرسال رسالة أو متابعة طلب أو التواصل مع مؤسسة تعليمية في الخارج.
ثلاث فرص ضاعت بسبب المعبر
حصل حافظ على ثلاث منح دراسية كان يمكن أن تنقله إلى خارج غزة وتمنحه فرصة لمواصلة تعليمه.
لكن الحصول على المنحة لم يكن كافيًا.
كان عليه أن يتمكن من مغادرة القطاع أولًا.
ومع استمرار القيود على حركة السكان وإغلاق معبر رفح لفترات طويلة، بقيت تلك الفرص خارج متناول يده. ومع مرور الوقت، تحولت المنح من أبواب إلى المستقبل إلى تذكير بما كان يمكن أن يكون عليه هذا المستقبل.
بالنسبة إلى حافظ، لم تكن المشكلة في مستواه الدراسي أو في غياب الرغبة في التعلم. المشكلة كانت في أنه لم يستطع الوصول إلى المكان الذي ينتظره فيه التعليم.
الابن الوحيد الذي يحمل مسؤولية البيت
في عائلته، حافظ هو الرجل الوحيد.
لذلك لا يتعلق يومه بالدراسة وحدها. فهو يخرج بحثًا عن الاحتياجات الأساسية، ويحاول مساعدة أسرته في ظروف جعلت الحصول على أبسط متطلبات الحياة مهمة شاقة.
وفي الوقت نفسه، يواصل المساهمة في تسجيل حلقات البودكاست الذي تنقل من خلاله والدته صوتها وتجربتها من داخل غزة.
وهكذا أصبح الشاب الذي كان يفترض أن ينشغل بمستقبله الجامعي منشغلًا أيضًا بالحفاظ على حياة أسرته والتواصل مع العالم الخارجي.
جيل كامل عالق في الانتظار
قصة حافظ لا تبدو استثناءً.
فالحرب لم تعطل الجامعات والمؤسسات التعليمية في غزة فحسب، بل تركت آلاف الطلاب أمام مستقبل غامض. طلاب فقدوا جامعاتهم، وآخرون انقطعت عنهم الدراسة، فيما ينتظر من حصلوا على منح خارجية فرصة لمغادرة القطاع.
وبالنسبة إلى هؤلاء الشباب، لا تكمن المشكلة فقط في فقدان عام أو عامين دراسيين.
كلما طال الانقطاع، أصبح استئناف الدراسة أكثر صعوبة، وضاعت فرص جديدة، وتأجلت مشاريع كان أصحابها قد أمضوا سنوات في الإعداد لها.
خلف الأرقام التي تتكرر في التقارير اليومية، توجد قصص لطلاب كانوا يستعدون لدخول الجامعات، وباحثين كانوا يخططون لمشروعاتهم الأولى، وشباب حصلوا على فرص دراسية لا يستطيعون الوصول إليها.
الحرب لم تنتهِ بالنسبة إلى حافظ
أُعلن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكن ذلك لم يعنِ بالنسبة إلى حافظ عودة الحياة التي كان يعرفها.
استمرت الضربات في مناطق مختلفة، فيما بقيت حركة العبور محدودة. ومع إعادة فتح معبر رفح تدريجيًا خلال عام 2026 أمام حالات محددة، خصوصًا الإجلاء الطبي وبعض عمليات العودة، ظل الطريق أمام الطلاب الراغبين في مغادرة غزة لمواصلة تعليمهم شديد الصعوبة.
بالنسبة إلى شاب ينتظر فرصة للدراسة في الخارج، لا يكفي أن تتوقف الحرب.
هو يحتاج أيضًا إلى طريق مفتوح، ومعبر يعمل، وجامعة تنتظره، وحياة يمكن التخطيط لها من جديد.
حين يصبح الضحك فعل مقاومة للحياة
منذ أكثر من عامين، يتابع بودكاست «ناهد.. صوت من غزة» حياة هذه العائلة وينقل أصوات أفرادها من داخل القطاع.
ومع تراجع الاهتمام الإعلامي بالحرب، تواصل الحلقات منح مساحة لأشخاص يعيشون تفاصيلها اليومية، بعيدًا عن الأرقام وحدها.
وحافظ واحد من هؤلاء.
شاب في العشرين من عمره، كان يفترض أن يكون مشغولًا بالجامعة والمنح وخطط المستقبل، لكنه يجد نفسه اليوم بين البحث عن إشارة هاتف، ومساعدة أسرته، ومحاولة إبقاء صلته بالتعليم والعالم الخارجي حيّة.
ومع ذلك، لا يزال يضحك.
ربما لأن السؤال لم يعد بالنسبة إليه كيف يعيش حياة طبيعية في غزة، بل كيف يحافظ على شيء من الحياة في مكان لم يعد فيه الكثير مما كان طبيعيًا.
ويبقى السؤال الذي يرافق قصته: ماذا يحدث لجيل كامل عندما لا تُغلق أبواب الجامعات أمامه فقط، بل يُغلق الطريق المؤدي إليها أيضًا؟






