تواصل اليابان انزلاقها الديموغرافي، بعدما سجل عدد المواليد في عام 2025 أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات قبل أكثر من قرن. الأرقام الجديدة الصادرة عن وزارة الصحة تؤكد اتجاهاً مستمراً منذ عقد كامل، رغم حزم التحفيز الحكومية المتكررة لوقف النزيف السكاني.
عقد من التراجع المتواصل
بلغ عدد المواليد 705,809 مولوداً فقط العام الماضي، بانخفاض جديد نسبته 2.1% مقارنة بالعام السابق. ورغم أن وتيرة التراجع تباطأت مقارنة بالسنوات التي شهدت انخفاضات تجاوزت 5%، فإن الصورة الكبرى لا تتغير: انخفاض يقارب 30% خلال عقد واحد.
المفارقة أن الرقم اقترب من عتبة 700 ألف مولود قبل أكثر من 15 عاماً مما كانت تتوقعه التقديرات الرسمية، ما يعكس تسارعاً غير متوقع في تآكل القاعدة السكانية.
فجوة سكانية تتسع
في المقابل، تجاوز عدد الوفيات 1.6 مليون حالة، ما أدى إلى اتساع الفجوة الطبيعية بين المواليد والوفيات إلى نحو 900 ألف شخص — وهو مستوى قياسي جديد. هذا الاختلال يضع ضغوطاً مباشرة على منظومة الضمان الاجتماعي والمعاشات، في بلد يُعد من أكثر دول العالم شيخوخة.
تفاوت إقليمي… واستثناء طوكيو
انخفضت المواليد في معظم المحافظات اليابانية، مع تراجعات حادة في مناطق ريفية تعاني أصلاً من نزيف سكاني مزمن. لكن طوكيو سجلت زيادة طفيفة هي الأولى منذ تسع سنوات، ما يعكس استمرار الجاذبية الاقتصادية للعاصمة الكبرى، حيث يتركز نحو ثلث إجمالي الولادات الوطنية.
التحسن المحدود في بعض المناطق لا يغيّر الاتجاه العام، بل يسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين المراكز الحضرية المزدهرة والأقاليم المتراجعة.
زيجات أكثر… ومواليد أقل
ارتفاع عدد الزيجات للعام الثاني على التوالي قد يبدو مؤشراً إيجابياً، إلا أن أثره لم ينعكس بعد على معدلات الإنجاب. خبراء ديموغرافيا يشيرون إلى أن تأخر سن الزواج، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم الاستقرار الوظيفي، كلها عوامل تدفع الأزواج إلى تأجيل أو تقليص عدد الأطفال.
الانخفاض الحاد في المواليد ليس ظاهرة يابانية فريدة؛ بل يعكس اتجاهاً عالمياً يشمل دولاً أوروبية عدة. غير أن خصوصية الحالة اليابانية تكمن في سرعتها وحدّتها، وفي محدودية الهجرة كخيار لتعويض النقص السكاني، مقارنة بدول أخرى.
معركة ديموغرافية ضد الزمن
الأرقام الجديدة تعكس تحدياً وجودياً لليابان يتجاوز كونه أزمة سكانية عابرة. فالتراجع المستمر في عدد المواليد، مقابل تسارع الشيخوخة، يهدد بإعادة تشكيل الاقتصاد وسوق العمل ونظام الرعاية الاجتماعية خلال العقود المقبلة.
الحكومة تتحدث عن نمو اقتصادي ورفع دخول الشباب كمدخل للحل، لكن التجربة حتى الآن تُظهر أن السياسات التحفيزية وحدها لا تكفي لعكس مسار ديموغرافي ترسخ على مدى سنوات. وفي سباقها مع الزمن، تجد اليابان نفسها أمام سؤال مصيري: كيف تُعيد بناء ثقتها بالمستقبل قبل أن ينكمش مجتمعها أكثر؟






