تشهد الساحة العراقية جدلاً واسعاً بعد تحرك أرتال عسكرية أميركية من قاعدة «عين الأسد» في محافظة الأنبار نحو قاعدة «حرير» في أربيل، عاصمة إقليم كردستان.
وجاء هذا التحرك في إطار الاتفاق المبرم لبدء انسحاب قوات «التحالف الدولي» مع مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، لكنه أثار تساؤلات حادة حول تداعياته على التوازنات الإقليمية ومستقبل الأمن الداخلي في العراق.
قلق سياسي من فراغ أمني خطير
أعرب عدد من السياسيين العراقيين عن مخاوفهم من أن يؤدي هذا الانسحاب إلى فراغ أمني قد تستغله أطراف إقليمية ودولية لتصفية حساباتها داخل الأراضي العراقية.
التحذيرات تركزت على احتمال تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل، مع اعتبار العراق ساحة محتملة لأي تصعيد بين الطرفين، خاصة مع هشاشة الأوضاع الإقليمية في المرحلة الراهنة.
وحاول المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء صباح النعمان، طمأنة الداخل العراقي بقوله إن انسحاب قوات التحالف «دليل على قدرة القوات العراقية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الاستقرار من دون الحاجة إلى دعم خارجي». إلا أن هذا الخطاب الرسمي بدا متناقضاً مع أصوات أخرى في البرلمان، مثل النائب ياسر وتوت، عضو لجنة الأمن والدفاع، الذي وصف الخطوة بأنها «مفاجئة في توقيت إقليمي حساس»، محذراً من انعكاساتها على الأمن الوطني.
مواقف القوى السياسية من الانسحاب
داخل المشهد السياسي العراقي، تنقسم الآراء بشكل واضح، فبينما رحبت بعض القوى القريبة من طهران بخطوة الانسحاب باعتبارها «انتصاراً للسيادة العراقية»، فإن قوى أخرى، خصوصاً تلك المتحالفة مع الولايات المتحدة أو الداعمة للشراكة الأمنية معها، ترى أن الانسحاب يفتح الباب أمام هيمنة النفوذ الإيراني وزيادة هشاشة الوضع الأمني.
ويعكس هذا الانقسام هشاشة التوازنات الداخلية وصعوبة صياغة رؤية وطنية موحدة.
ولم يكن الانتقال إلى قاعدة «حرير» في أربيل مجرد خطوة لوجستية، بل اعتُبر تحولاً استراتيجياً يعزز من موقع إقليم كردستان كقاعدة رئيسية للقوات الأميركية.
ويثير هذا التحول يثير حفيظة بعض القوى السياسية في بغداد التي ترى فيه محاولة لإعادة رسم موازين النفوذ داخل العراق، عبر تحويل الشمال إلى مركز ثقل عسكري بدلاً من العاصمة.
الإقليم على خط النار
إقليم كردستان وجد نفسه مرة أخرى في قلب الجدل، إذ يرى البعض أن تعزيز الوجود الأميركي في أربيل قد يحوّل الإقليم إلى ساحة صراع محتملة، خاصة مع تهديدات الفصائل المسلحة القريبة من إيران باستهداف القواعد الأميركية.
ويضع هذا السيناريو حكومة الإقليم في مأزق مزدوج: فهي تستفيد من الدعم الأميركي في مواجهة الإرهاب، لكنها تخشى أن تصبح هدفاً مباشراً لأي مواجهة إقليمية مقبلة.
انعكاسات اقتصادية محتملة
ولا ينفصل الملف الأمني عن الاقتصاد العراقي، حيث يخشى خبراء أن يؤدي الانسحاب الأميركي وما قد يترتب عليه من اضطراب أمني إلى هروب الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.
كما قد تتأثر خطط إعادة الإعمار في المناطق المحررة من «داعش» إذا عاد شبح عدم الاستقرار الأمني ليخيم من جديد على البلاد.
ولم تكن التجربة العراقية مع الانسحابات السابقة للقوات الأميركية مطمئنة، ففي عام 2011، أدى الانسحاب الكامل إلى صعود تنظيم «داعش» الذي اجتاح مساحات واسعة من البلاد لاحقاً.
واليوم، ومع استمرار تهديدات الخلايا الإرهابية النائمة، يخشى مراقبون من أن يتكرر السيناريو نفسه في ظل غياب ضمانات أمنية واضحة.
مراقبة إقليمية ودولية دقيقة
التحركات الأميركية في العراق لا تُقرأ فقط في بغداد وأربيل، بل تحظى بمتابعة دقيقة من العواصم الإقليمية والدولية، فبينما تراقب طهران بقلق محاولات واشنطن إعادة تموضع قواتها في الشمال، تترقب تل أبيب أي إشارة على ضعف النفوذ الأميركي في بغداد باعتباره فرصة لتعزيز استراتيجيتها ضد إيران.
في المقابل، ترى بعض الدول الغربية أن الانسحاب خطوة طبيعية بعد سنوات طويلة من الوجود العسكري، لكنها تبقى قلقة من أن يتحول العراق مرة أخرى إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي.
خلاصة المشهد.. تساؤلات بلا إجابات
يبقى السؤال المطروح: هل يمثل الانسحاب الأميركي بداية مرحلة استقلال أمني حقيقي للعراق، أم أنه مجرد فراغ جديد سيفتح الباب أمام تصعيد إقليمي قد يتجاوز قدرات بغداد على احتوائه؟ بين خطاب الطمأنة الرسمي والتحذيرات البرلمانية، تبقى الحقيقة أن العراق يقف مجدداً على مفترق طرق محفوف بالمخاطر.






