في وقتٍ كانت فرنسا تظن فيه أنها تجاوزت أخطر مراحل التهديد الإرهابي بعد عقدٍ من الهجمات الدامية، جاء خبر توقيف ثلاث نساء شابات بتهمة التخطيط لهجمات إرهابية ليعيد القلق إلى الشارع الفرنسي، فالموقوفات لسن من العائدين من بؤر التوتر، ولا من عناصر متشددة سابقة، بل فتيات في عمر الزهور، يعشن في مدن فرنسية عادية، لكنّ التطرف وصل إليهن عبر شاشة هاتف صغيرة حوّلت غرف نومهن إلى ساحة حرب فكرية صامتة.
عودة الخطر من حيث لا يُتوقع
خيوط القضية بدأت عندما رصدت أجهزة الأمن الداخلي في فرنسا محادثات مريبة على تطبيقات التواصل، تتحدث فيها ثلاث فتيات عن نياتهن تنفيذ هجوم في قاعة حفلات أو حانة وسط باريس.
كان الأمر في البداية يبدو كأحاديث مراهقات مضطربات نفسيًا، لكنّ كلمات مثل «كلاشينكوف» و«أحزمة ناسفة» و«شهادة» وضعت الأجهزة في حالة استنفار.
عمليات الرصد والمتابعة قادت إلى كشف مجموعة مغلقة على تطبيق «تلغرام» تُستخدم لتبادل مقاطع دعائية لتنظيمات جهادية، وتضم الموقوفات الثلاث. وبعد أسابيع من المراقبة، داهمت الشرطة منازلهن في أكتوبر الماضي في مدن ليون وفيلوربان وفيرزون، لتجد أدلة ملموسة على التخطيط الفعلي لهجوم.
القضية، رغم محدودية عدد المتهمات، أعادت فتح النقاش الأوسع حول مدى تغلغل الفكر المتطرف في أوساط المراهقين، وكيف أصبحت المنصات الاجتماعية سلاحًا أكثر خطورة من البنادق، يُستخدم لاستقطاب العقول الصغيرة قبل أن تُستخدم المتفجرات.
تطرف رقمي في قلب المجتمع الفرنسي
لم تعد التنظيمات الإرهابية بحاجة إلى مساجد سرية أو معسكرات في الصحراء لتجنيد عناصر جديدة. فبفضل الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل، يمكن لأي شاب أو فتاة أن يدخل في دوامة التطرف من داخل غرفته.
وتلك هي المعضلة التي تواجهها فرنسا اليوم، إذ يتسلل الفكر المتشدد عبر فيديوهات قصيرة وشعارات مؤثرة، تحمل مزيجًا من الخطاب الديني المشوه والمظلومية العاطفية.
المراقبة الأمنية أظهرت أن الفتيات الثلاث كنّ يقضين ساعات طويلة على تطبيقات مثل «سناب شات» و«تيك توك» و«تلغرام»، يشاهدن مقاطع تمجد الجهاد وتُصوّر الموت كخلاصٍ من الألم واليأس.
هذا الخطاب وجد صدى في نفوسهن الهشة، إذ كانت إحداهن تعاني من اكتئاب حاد وأفكار انتحارية، بينما الثانية مصابة بإعاقة حركية وتعاني العزلة، والثالثة من أسرة مفككة بلا دعم نفسي أو اجتماعي.
هذه الخلفيات الشخصية كانت التربة الخصبة التي زرع فيها الفكر المتطرف بذوره. فالمشاعر المختلطة بين الغضب والظلم والبحث عن معنى للحياة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى قابلية لتصديق أي خطاب يعد بالخلاص أو البطولة. وهنا تحديدًا تكمن خطورة «الإرهاب الإلكتروني»، لأنه لا يُخاطب العقول فقط، بل يستغل المشاعر.
في ظل هذه الوقائع، تتساءل فرنسا اليوم عن مدى قدرة قوانينها الحالية على مواجهة التطرف الرقمي، خاصة في بيئة رقمية يصعب مراقبتها بالكامل، بينما لا يزال الجيل الجديد يقضي معظم وقته داخل عالم افتراضي يصعب ضبطه أو توجيهه.
المراهقات في فخ الأيديولوجيا
خبراء علم الاجتماع يرون أن المراهقة مرحلة هشّة بطبيعتها، حيث يبحث الشباب عن هوية وانتماء. وعندما تغيب الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية عن احتواء هؤلاء الفتيات، يجدن في الخطاب الجهادي نوعًا من «المعنى»، حتى وإن كان زائفًا.
التنظيمات المتطرفة أدركت هذه الثغرة، فغيّرت أدواتها: بدلاً من الخطب الطويلة أو الدروس الدينية، أصبحت الرسائل الآن مرئية وسريعة، بلغة قريبة من الشباب. يُستخدم فيها الرمز والموسيقى والمؤثرات البصرية لتغليف أفكار الموت بثوب من القداسة والبطولة.
وفي كثير من الحالات، يتم استغلال الحالة النفسية للفتيات عبر بناء علاقة رقمية تقوم على الإيهام بالاهتمام والاحتواء، قبل أن تتحول إلى تلاعب بالعقل والعاطفة معًا. ما يبدأ بمحادثة بريئة يمكن أن ينتهي بوعد كاذب بـ«الجنة» أو «الثأر للمسلمين».
ورغم أن فرنسا أطلقت عدة برامج لإعادة تأهيل الشباب المتطرفين، إلا أن الصعوبة تكمن في اكتشاف الحالات مبكرًا، لأن التطرف لم يعد يُعلن عن نفسه. أصبح يختبئ خلف شاشات وهواتف، ويظهر فقط عندما يكون الوقت قد فات.
وسائل التواصل.. ساحة حرب جديدة
تشير التقارير الأمنية إلى أن «تلغرام» لا يزال المنصة الأكثر استخدامًا في التواصل بين المتطرفين، نظرًا لصعوبة تتبع الرسائل. بينما تُستخدم «تيك توك» و«سناب شات» لجذب المراهقين من خلال مقاطع دعائية قصيرة.
تلك المقاطع تُظهر المعارك كمغامرات بطولية، وتخفي وراءها مشاهد القتل والمعاناة الحقيقية.
وقد كشفت التحقيقات أن الموقوفات كنّ يتبادلن مقاطع تظهر نساء من التنظيمات المسلحة وهنّ يقدمن أنفسهن كمقاتلات في سبيل العقيدة، مما خلق نوعًا من الإعجاب والرغبة في «التقليد».
بعض تلك المقاطع كانت تُرفق بعبارات تحفيزية تدعو إلى «نصرة الإسلام» أو «الانتقام من الغرب»، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية تعتبرها «إعلانات تجنيد رقمية».
الشرطة الفرنسية ترى أن هذا النوع من المحتوى ينتشر بسرعة فائقة بين الفتيات الصغيرات، خصوصًا في الأحياء التي تعاني من ضعف الخدمات الاجتماعية، ما يجعل الإنترنت وسيلة للهرب من الواقع. وفي غياب رقابة أسرية فعالة، يصبح العالم الافتراضي هو المربي البديل.
الحكومة الفرنسية بدورها تدرس الآن تشديد الرقابة على المنصات، لكنها تواجه معضلة قانونية بين حماية الأمن القومي من جهة، وصون حرية التعبير من جهة أخرى، وهي معادلة لم تتمكن أي دولة أوروبية بعد من حلها بشكل متوازن.
أبعاد نفسية واجتماعية خفية
تؤكد الدراسات أن أغلب حالات التطرف لدى الفتيات تنشأ من خلل نفسي أو شعور بالوحدة والعزلة. في قضية الموقوفات الثلاث، نجد أن إحداهن كانت تحاول الانتحار قبل أشهر، بينما الأخرى فقدت التواصل مع أسرتها، والثالثة تعاني من إعاقة مزمنة جعلتها عرضة للإحباط.
هذه المعاناة تحولت بمرور الوقت إلى أرض خصبة للأفكار المتطرفة التي تقدم «الخلاص» كطريق قصير للهروب من الألم.
ويرى اختصاصيون أن الإرهاب المعاصر لا ينجح في اختراق العقول القوية المستقرة نفسيًا، بل يستهدف الفئات الأكثر هشاشة، لذلك، فإن المعركة ضد الإرهاب لم تعد أمنية فقط، بل هي معركة نفسية واجتماعية في المقام الأول.
كما أن التحول الرقمي السريع جعل المراهقين أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى غير المنضبط. ومن الصعب على الآباء أو المدارس مراقبة كل ما يشاهده الشباب على مدار اليوم، مما يفتح الباب أمام الخطاب المتطرف ليجد طريقه بسهولة إلى العقول الصغيرة.
هذه القضية فتحت نقاشًا واسعًا داخل المجتمع الفرنسي حول ضرورة دمج برامج التوعية الرقمية في المدارس، وتعليم المراهقين كيف يميّزون بين المحتوى المضلل والخطاب الحقيقي.
الإرهاب يتكيّف مع العصر
يقول الخبير الأمني الفرنسي جان لوران، المتخصص في مكافحة التطرف إن «التطرف اليوم لم يعد يحتاج إلى قائد كاريزمي أو تنظيم هرمي كما في الماضي، بل أصبح شبكة فكرية رقمية تتغذى على الإحباطات الفردية».
ويوضح أن «الجيل الجديد من الإرهابيين ليس بالضرورة متدينًا، بل غالبًا مضطرب نفسيًا، يبحث عن هوية أو هدف في الحياة، فيجد في الخطاب الجهادي متنفسًا لخيباته».
ويضيف أن النساء يشكلن نسبة متزايدة من القضايا الأخيرة المرتبطة بالتطرف في فرنسا، إذ يرى البعض في الانتماء لتنظيمات متشددة وسيلة للتمرد على الواقع أو لاستعادة السيطرة على حياتهن. هذه الظاهرة، وفق لوران، تمثل «تحولًا في طبيعة الإرهاب المعاصر» الذي صار أكثر فردية وتشتتًا.
ويحذر الخبير من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا في التجنيد يجعل مهمة الأجهزة الأمنية أكثر تعقيدًا، فالمحادثات مشفّرة، والرسائل تحذف تلقائيًا، ولا توجد اجتماعات أو تجمعات يمكن رصدها بسهولة كما في السابق.
ويختم بالقول إن «التهديد الحالي ليس في حجم الخلايا المكتشفة، بل في عدد الأفراد المعزولين الذين يمكن أن يتحولوا إلى قنابل موقوتة دون سابق إنذار». لذلك يدعو إلى تعزيز التعاون بين الأمن والقطاع التعليمي والصحي والاجتماعي لكشف المؤشرات المبكرة للتطرف قبل أن تتفاقم.
الفقر العاطفي يصنع التطرف
تقول الخبيرة في علم النفس الاجتماعي ماري كلير دوبوا، إن معظم الفتيات اللواتي انجذبن إلى الفكر الجهادي لم يكنّ يملكن معرفة دينية حقيقية، بل كنّ يبحثن عن معنى للحياة وشعور بالانتماء. وتضيف أن الشبكات المتطرفة تتقن استخدام هذا الفراغ النفسي، فتوهم الفتيات بأنهن «مختارات» لأداء دور بطولي يمنحهن قيمة مفقودة.
وترى دوبوا أن «الفقر العاطفي» في المجتمعات الغربية الحديثة أصبح سببًا خفيًا للتطرف، لأن العلاقات الأسرية المفككة والعزلة الرقمية تولد فراغًا يسهل ملؤه بخطابات متطرفة. وتشير إلى أن الفتاة التي لا تجد من يسمعها، ستجد في الإنترنت من «يحتويها» حتى وإن كان إرهابيًا خلف الشاشة.
وتؤكد أن الحل لا يكون فقط في إغلاق الحسابات أو ملاحقة المحتوى، بل في بناء بيئة نفسية واجتماعية قوية، تُشعر الشباب بالانتماء والأمان. فالمراهقة، كما تقول، «إما تُحتضن بالعقل، أو تُختطف بالعاطفة».
وتختم بدعوة الحكومة الفرنسية إلى الاستثمار في برامج الدعم النفسي في المدارس والمناطق الفقيرة، لأن معالجة الجذور النفسية للتطرف أقل كلفة وأكثر فاعلية من ملاحقة نتائجه الأمنية.






