أعلنت الولايات المتحدة، يوم الثلاثاء، إدراج ثلاثة فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، في خطوة وُصفت بأنها من بين الأكثر حساسية في تعامل واشنطن مع التنظيم منذ سنوات. القرار شمل الفرع اللبناني للجماعة، الذي صُنّف كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، وهو أعلى وأشد تصنيف في القانون الأمريكي، إلى جانب إدراج الفرعين الأردني والمصري على لائحة «الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص».
ورغم أن واشنطن برّرت الخطوة باعتبار أن هذه الفروع تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية، فإن البعد الأهم في القرار لا يكمن في التوصيف السياسي أو القانوني بقدر ما يكمن في الشق المالي، الذي قد يشكل ضربة قاضية لشبكات تمويل التنظيم خارج المنطقة.
التمويل في مرمى القرار
يترتب على تصنيف أي كيان كمنظمة إرهابية أجنبية تجميد كامل للأصول المالية الواقعة تحت الولاية الأمريكية، وحظر أي دعم مادي أو مالي أو لوجستي، مع فتح الباب أمام ملاحقات جنائية تطال الأفراد والمؤسسات التي يثبت تعاملها مع هذه الكيانات. عمليًا، يعني ذلك شلّ قدرة هذه الفروع على استخدام النظام المالي الدولي، الذي يمر جزء كبير منه عبر القنوات الأمريكية أو الخاضعة لتأثيرها.
ويرى متابعون أن واشنطن استهدفت تحديدًا البنية المالية التي ظلت لعقود شريان حياة لجماعة الإخوان، سواء عبر جمعيات واجهة، أو شبكات تبرعات عابرة للحدود، أو استثمارات غير مباشرة. ومع دخول الخزانة الأمريكية على خط التصنيف، تصبح البنوك والمؤسسات المالية حول العالم ملزمة بالتدقيق، ما يجعل أي حركة أموال مرتبطة بالجماعة عبئًا قانونيًا عالي المخاطر.
ما وراء التوقيت
يطرح توقيت القرار تساؤلات إضافية. فالتصنيف يأتي في سياق إقليمي متوتر، حيث باتت واشنطن أكثر حساسية تجاه أي شبكات تمويل يُشتبه في ارتباطها بحركات مسلحة، وعلى رأسها حركة حماس، التي اتهمت الولايات المتحدة الفرعين الأردني والمصري بدعمها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي هذا الإطار، يبدو أن واشنطن لم تعد تكتفي بفصل ما تصفه بـ«الجناح السياسي» عن «الجناح المسلح»، بل تتجه نحو مقاربة أشمل تعتبر أن البنية التنظيمية والمالية والفكرية للجماعة تشكل منظومة واحدة، يمكن أن تتحول إلى حاضنة أو ممول أو غطاء لأنشطة مصنفة إرهابية.
تداعيات دبلوماسية محتملة
لا يقتصر تأثير القرار على الجانب الأمني والمالي، بل يمتد إلى المجال الدبلوماسي، خصوصًا في علاقات الولايات المتحدة مع دول مثل قطر وتركيا، اللتين طالما وُجهت إليهما اتهامات باحتضان شخصيات أو منصات إعلامية مرتبطة بالإخوان. ورغم أن القرار لم يشر إليهما مباشرة، إلا أن الرسالة الضمنية تبدو واضحة: أي تساهل مع شبكات الإخوان قد يضع الدول المعنية تحت مجهر العقوبات أو الضغوط السياسية.
كما أن إدراج فرع لبناني على قائمة الإرهاب الأشد يعكس تحوّلًا في النظرة الأمريكية إلى الجماعة في لبنان، حيث كانت تُصنّف سابقًا في مناطق رمادية بين العمل الدعوي والسياسي. هذا التحول قد يعقّد المشهد اللبناني الهش أصلًا، ويضيف عنصر ضغط جديدًا على الساحة السياسية والمالية هناك.
إعادة رسم قواعد الاشتباك
يرى محللون أن القرار الأمريكي لا يستهدف فقط فروعًا بعينها، بل يسعى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك مع جماعة الإخوان ككل. فبدل المواجهة المباشرة أو الخطاب السياسي، اختارت واشنطن سلاحًا أكثر فاعلية: تجفيف الموارد، وتجريم أي تعامل مالي، وتحويل التنظيم إلى عبء قانوني على داعميه المحتملين.
وبهذا المعنى، فإن الخسارة الكبرى للجماعة لا تكمن في البيانات أو المواقف، بل في انكماش قدرتها على الحركة والتمويل والعمل عبر الحدود، وهو ما قد ينعكس على نفوذها السياسي والتنظيمي في عدد من الدول.
منذ عقود، ظلّ التعامل الأمريكي مع جماعة الإخوان المسلمين محاطًا بالتردد والازدواجية. فعلى الرغم من إدراج فصائل مرتبطة بالجماعة، مثل حركة حماس، على قوائم الإرهاب منذ تسعينيات القرن الماضي، امتنعت واشنطن طويلًا عن تصنيف التنظيم الأم ككل، مفضّلة التمييز بين ما تسميه “الأجنحة السياسية” و”الأنشطة المسلحة”. غير أن هذا النهج بدأ يتآكل تدريجيًا بعد أحداث 11 سبتمبر، ثم تسارع مع تصاعد المخاوف من شبكات التمويل العابرة للحدود، ودور الجمعيات والمنصات المرتبطة بالإخوان في توفير غطاء مالي ولوجستي لحركات مصنفة إرهابية. ويأتي القرار الأخير ليعكس تحوّلًا واضحًا من سياسة الاحتواء والغموض إلى سياسة الاستهداف المباشر للبنية المالية والتنظيمية للجماعة.







