في مشهد نادر يعكس عمق الاضطرابات في جنوب سوريا، أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، عن إحباط محاولة تسلل لعشرات الدروز السوريين إلى الأراضي الإسرائيلية، بالتزامن مع عبور عدد من الدروز الإسرائيليين السياج الحدودي نحو سوريا.
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه محافظة السويداء اشتباكات دموية لليوم الرابع على التوالي بين جماعات مسلحة درزية وأخرى بدوية، وسط تزايد أعداد القتلى وتوسع رقعة العنف.
اجتياز الحدود: دروز يعبرون السياج من الجانبين
قال الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي إنه رصد “عشرات المشتبه بهم الذين حاولوا التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية في منطقة قرية حضر” القريبة من الحدود، مؤكداً أن قواته قامت بمنع التسلل وتفريق الحشود باستخدام قنابل الغاز.
بالمقابل، أشار البيان إلى أن “عدداً من المواطنين الإسرائيليين عبروا السياج الحدودي إلى داخل سوريا في منطقة مجدل شمس”، وأن الجيش يعمل على إعادتهم بسلام. وتشير تقارير إلى أن هؤلاء ينتمون للطائفة الدرزية الإسرائيلية، ما يعكس تضامنًا محتدمًا مع أقاربهم في الجانب السوري.
تدخلات إقليمية.. وصمت دولي
رغم خطورة التطورات على الحدود بين سوريا وإسرائيل، يلاحظ غياب موقف دولي حاسم حتى الآن. فالأمم المتحدة اكتفت بدعوات “للتهدئة وضبط النفس”، دون إدانة واضحة لتدخلات إسرائيل أو تحميل أي طرف مسؤولية مباشرة.
أما الولايات المتحدة، الحليف الوثيق لتل أبيب، فقد أعربت عبر مسؤول في الخارجية عن “القلق من تدهور الوضع الإنساني في السويداء”، دون التعليق على الغارات الإسرائيلية أو على عبور مواطنين إسرائيليين إلى الأراضي السورية.
في المقابل، اتهمت موسكو، على لسان مصدر في وزارة الخارجية الروسية، إسرائيل بـ”تعقيد الأوضاع في الجنوب السوري عبر ضربات غير مبررة”. وأضاف المصدر: “على كل الأطراف احترام السيادة السورية وعدم استغلال الأزمة الطائفية الجارية”.
مصادر عسكرية إسرائيلية قالت لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إن قوات الجيش في “حالة استنفار شاملة” على امتداد الحدود الشمالية، مع أوامر صارمة بمنع أي محاولة تسلل من الجانب السوري.
وأضافت: “لدينا معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال استغلال جماعات مسلحة للوضع في السويداء لفتح جبهة باتجاه إسرائيل… وسنتعامل مع أي تهديد بصرامة”. كما أُرسلت تعزيزات من وحدات المدرعات والاستخبارات الميدانية إلى الجولان تحسباً لأي تطورات مفاجئة.
السويداء بين سندان السلطة ومطرقة الفوضى
محافظة السويداء، التي ظلت طويلاً على هامش الحرب السورية، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة. فبينما يتهم السكان المحليون الحكومة السورية بـ”الفشل في فرض الأمن”، يحمّل آخرون الجماعات المسلحة الدرزية والبدوية مسؤولية تحويل المدينة إلى ساحة حرب مفتوحة.
يقول أحد وجهاء الطائفة الدرزية، في اتصال مع صحيفة «الشرق الأوسط»، إن ما يحدث “خطر وجودي للطائفة بأكملها”، مضيفاً: “نرفض أن نُستخدم وقوداً في صراعات إقليمية أو حسابات دولية… لكن الدولة مطالبة أيضاً بحمايتنا وليس قصفنا”.
المجتمع الدرزي في الجولان: تضامن محفوف بالمخاطر
في الجولان المحتل، عبّر عدد من زعماء الطائفة الدرزية عن تضامنهم مع دروز السويداء، ورفضهم للصمت الإسرائيلي تجاه ما يتعرض له أبناء طائفتهم في سوريا. لكن دعوات التظاهر والاحتجاج تحولت إلى ممارسات أكثر جرأة، تمثلت بعبور أفراد إلى الأراضي السورية في رسالة رمزية، رغم خطورة الموقف.
ويحذر مراقبون من أن تكرار هذه التحركات قد يؤدي إلى تصعيد أمني كبير، لا سيما إذا ما تطورت الأمور إلى اشتباكات مباشرة على الحدود أو احتجاز متبادل.
احتمالات مستقبلية: 3 سيناريوهات، فمع استمرار التصعيد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة في الأفق:
1. تهدئة مشروطة: نجاح وساطات دولية أو إقليمية (ربما عبر روسيا أو الأردن) في فرض وقف إطلاق نار حقيقي، وإعادة القوات الحكومية إلى مواقعها، مقابل وقف الغارات الإسرائيلية.
2. تصعيد إقليمي: توسع الضربات الإسرائيلية لتشمل عمق سوريا، ورد فعل من دمشق أو حلفائها، ما يؤدي إلى فتح جبهة جنوبية خطيرة.
3. تمرد درزي شامل: في حال فشل النظام السوري في تهدئة الموقف، قد تتحول السويداء إلى منطقة خارجة عن السيطرة، وتعيد سيناريو “المناطق الآمنة” التي شهدتها سوريا في بدايات الحرب.
هل يعيد دروز السويداء رسم المعادلة؟
في غمرة الصراعات الطائفية والعسكرية التي تمزق سوريا منذ أكثر من عقد، كان دروز السويداء غالباً ما يتمسكون بموقف الحياد. لكن اشتباكات الأيام الماضية، والتحركات على الحدود، تعكس تغيّراً جوهرياً في معادلة القوة والانتماء.
هل نحن أمام بداية تحوّل سياسي للطائفة؟ وهل سيتحول هذا الحراك إلى انتفاضة درزية واسعة، أم سيُحتوى كما احتُويت انتفاضات سابقة؟ .. الأجابة لا تزال معلّقة على حبل النار، بينما تظل السويداء تحترق.





