تعيش تونس في الأسابيع الأخيرة على وقع تحركات رئاسية متسارعة تحمل عنواناً عريضاً هو «محاسبة بلا استثناءات»، في إشارة واضحة إلى توجه السلطة نحو فرض رقابة شاملة على مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، بما فيها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي ظل لعقود يُعتبر «خطاً أحمر» لا تُمسّ مكانته ولا تُفتح ملفاته. هذا التحول يعكس بوضوح مرحلة جديدة من العلاقة بين السلطة التنفيذية والمنظمة النقابية الأكبر في البلاد، في سياق مسار سياسي يسعى الرئيس قيس سعيّد من خلاله إلى إعادة ضبط موازين القوة الداخلية تحت شعار مكافحة الفساد واستعادة أموال الشعب.
التحقيقات الجارية في ملف التمويلات الأجنبية المشبوهة، والتي طالت عدداً من الجمعيات والمنظمات الحقوقية، مثل جمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تبدو اليوم امتداداً لحملة أوسع تشمل كل الفاعلين في الساحة المدنية، وتفتح الباب أمام مساءلة اتحاد الشغل حول مصادر تمويله وأنشطته. فبعد أن كانت هذه المنظمات تمارس عملها ضمن هامش من الحرية والتأثير، باتت الآن تواجه اختباراً جديداً في ظل سياق سياسي يتسم بتغليب منطق الدولة المركزية على منطق التعددية المجتمعية.
استرداد أموال الشعب
الرئيس قيس سعيّد، الذي كرّر في أكثر من مناسبة حديثه عن “استرداد أموال الشعب التونسي غير منقوصة من أي مليم”، بدا مصمماً على توسيع نطاق المحاسبة ليشمل الجميع دون استثناء. وقد أشار في لقاءاته وتصريحاته إلى أن بعض المؤسسات والمرافق العمومية خرجت عن دورها في خدمة المواطن، وأن من تورط في الفساد أو الإضرار بالمصلحة العامة لن يكون بمنأى عن العقاب. ومن هذا المنطلق، يُقرأ توجيهه نحو الاتحاد العام للشغل باعتباره محاولة لكسر “قداسة” تاريخية أحاطت بهذه المنظمة منذ الاستقلال، وتحويلها إلى فاعل خاضع للمساءلة مثل غيرها من المؤسسات.
في المقابل، حاول اتحاد الشغل أن يتعامل بحذر مع هذه التطورات، فأصدر بياناً أكد فيه أنه ليس فوق القانون، لكنه رفض ما وصفه بـ”تلفيق التهم دون قرائن”. هذا الخطاب المزدوج يعكس إدراك قيادة الاتحاد لحساسية الموقف، فهي من جهة لا تستطيع مواجهة مسار المحاسبة المعلن علناً من أعلى هرم السلطة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي استهداف مباشر قد يُفسر كضربة سياسية تهدف إلى تحييد قوة اجتماعية تاريخية تمتلك امتداداً واسعاً في مؤسسات الدولة والمجتمع.
منظومة الدولة العميقة
من جهة أخرى، يقرأ مراقبون هذه التطورات ضمن مشروع أوسع للرئيس سعيد يهدف إلى تفكيك ما يسميه “منظومة الدولة العميقة”، التي يرى أنها تقف عائقاً أمام إصلاحاته السياسية والاقتصادية. فالاتحاد، بتركيبته المعقدة وتاريخه في الوساطة السياسية والإضرابات العامة، يمثل أحد أهم أعمدة تلك المنظومة. وبحسب المحلل السياسي عبد الكريم المحمودي، فإن السلطة انطلقت فعلياً في عملية تدقيق مالي تشمل قيادات الاتحاد، بالتوازي مع فتح ملفات يُشتبه في وجود فساد داخلها، في خطوة تعكس إرادة سياسية واضحة لتقليص نفوذ المنظمة وحصرها في دورها النقابي البحت بعيداً عن السياسة.
هذا التوجه يتقاطع أيضاً مع السياق الاقتصادي الصعب الذي تمرّ به البلاد، إذ يرى الرئيس سعيد أن الاتحاد يتحمل جزءاً من مسؤولية الأزمة الحالية نتيجة الإضرابات المتكررة التي عطّلت الإنتاج والخدمات العامة. وتشير بيانات غير رسمية إلى أن عدد الإضرابات في السنوات الأخيرة تجاوز ثلاثين ألفاً، ما أضعف قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية، وأدى إلى تآكل ثقة المواطنين في جدوى العمل النقابي التقليدي.
اختراق الداخل التونسي
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الأجواء العامة التي تشهدها تونس منذ أشهر، حيث تتصاعد الحملة الرسمية على الجمعيات التي تتلقى تمويلات أجنبية، في ظل مخاوف من أن تكون هذه الأموال وسيلة لاختراق الداخل التونسي والتأثير في قراراته السياسية والاقتصادية. وقد تحدث الرئيس صراحة عن “أموال طائلة تُوجَّه من الخارج تحت جنح الظلام”، محذراً من أن بعضها يُستخدم في أنشطة غير قانونية تشمل التهريب وتبييض الأموال، وهو ما برّر اتخاذ قرارات بتعليق نشاط عدد من الجمعيات وإحالتها للتحقيق.
ومع توقيف القيادي النقابي لسعد اليعقوبي بتهم تتعلق بالاحتكار والمضاربة، بدا واضحاً أن الحملة دخلت مرحلة أكثر حساسية، حيث بات الاتحاد نفسه جزءاً من المشهد القضائي لا مجرد مراقبٍ له. هذه الخطوة تعزز الانطباع بأن السلطة عازمة على إعادة رسم حدود الدور النقابي، بما يتماشى مع تصورها لمفهوم «الدولة المنضبطة» الخالية من مراكز القوى الموازية.
مشروع الإصلاح وتقييد القوى الوسيطة
غير أن هذا المسار، رغم شعاراته المعلنة حول العدالة والمحاسبة، يثير في المقابل تساؤلات حول مستقبل التوازن بين الدولة والمجتمع المدني في تونس. فنجاح مشروع الإصلاح يتطلب مؤسسات قوية ومستقلة، لا مجرد تقييد القوى الوسيطة التي شكّلت تاريخياً صمام أمان في فترات الأزمات. وإذا كانت المحاسبة ضرورة وطنية، فإن توظيفها في سياق سياسي مغلق قد يحولها من أداة عدالة إلى وسيلة لضبط المجال العام وإعادة تشكيله على مقاس السلطة التنفيذية.
تكشف الحملة الراهنة في تونس عن مفترق طرق دقيق بين دولة تسعى لاستعادة هيبتها ومجتمع يخشى على ما تبقّى من مساحات حريته. وبين شعار «محاسبة بلا استثناءات» وخشية العودة إلى «تسلط بلا توازن»، تقف البلاد أمام اختبار صعب لتحديد ملامح جمهوريتها الجديدة، حيث تتقاطع شعارات الإصلاح مع هواجس السيطرة، وتبقى الحقيقة النهائية مرهونة بمدى قدرة النظام على تحقيق العدالة دون المساس بروح التعدد والحرية التي شكّلت جوهر التجربة التونسية بعد الثورة.






