اتخذ تحالف تقوده شركتا إيني الإيطالية وتوتال إنرجيز الفرنسية القرار الاستثماري النهائي لتطوير حقل كرونوس للغاز قبالة السواحل القبرصية، في خطوة تمثل أول مشروع لتصدير الغاز القبرصي منذ اكتشاف احتياطياته قبل أكثر من عقد، وتفتح مساراً جديداً لنقل الغاز إلى أوروبا عبر البنية التحتية المصرية.
ويعكس المشروع تقاطع المصالح بين قبرص، التي تسعى إلى دخول نادي الدول المصدرة للغاز، ومصر، التي تعمل على ترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتجميع ومعالجة وإعادة تصدير الغاز في شرق البحر المتوسط.
مشروع يعتمد على البنية التحتية المصرية
يقع حقل كرونوس في الكتلة رقم 6 بالمياه الاقتصادية القبرصية، على بعد نحو 185 كيلومتراً جنوب غربي الجزيرة، وتُقدَّر احتياطياته بأكثر من 3 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
وبموجب الخطة المعلنة، سيُنقل الغاز عبر خط أنابيب بحري إلى مصر، حيث سيُعالج في منشآت حقل ظهر، قبل نقله إلى محطة دمياط لإسالته وتحويله إلى غاز طبيعي مسال تمهيداً لتصديره إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى القائمون على المشروع أن الاعتماد على البنية التحتية القائمة في مصر، بدلاً من إنشاء منشآت جديدة في قبرص، سيسهم في تقليص تكاليف الاستثمار وتسريع بدء الإنتاج.
الإنتاج يبدأ في 2028
بحسب الشركتين، من المتوقع أن يبدأ الإنتاج التجاري من الحقل خلال عام 2028، بطاقة مستقرة تبلغ نحو 500 مليون قدم مكعبة يومياً، وهو ما يعادل نحو 2.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
وستتولى شركة توتال إنرجيز تسويق نحو نصف الإنتاج، بينما سيُوجَّه الجزء الأكبر من الغاز إلى الأسواق الأوروبية التي تبحث منذ سنوات عن تنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على مصادر تقليدية.
لماذا اختيرت مصر؟
يمثل اختيار مصر نقطة محورية في المشروع، إذ تمتلك الدولة منشأتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، وهما من أبرز مرافق تسييل الغاز العاملة في شرق البحر المتوسط.
وتتيح هذه المنشآت تحويل الغاز القادم من الحقول البحرية إلى غاز طبيعي مسال يمكن شحنه بحراً إلى الأسواق العالمية، وهو ما يمنح مصر دوراً يتجاوز كونها منتجاً للغاز، لتصبح مركزاً إقليمياً لمعالجة وإعادة تصدير إنتاج الدول المجاورة.
وقال وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي إن المشروع يعكس الثقة في البنية التحتية المصرية، ويعزز مكانة البلاد بوصفها بوابة لتصدير غاز شرق المتوسط إلى الأسواق العالمية.
شراكة تستند إلى اتفاقات سابقة
يأتي القرار الاستثماري بعد سلسلة من الاتفاقيات الحكومية والتجارية بين مصر وقبرص، شملت وضع الإطار القانوني لنقل الغاز عبر الأراضي المصرية، واستخدام منشآت المعالجة والإسالة، وتحديد آليات التسويق والتصدير.
وتُعد هذه الترتيبات نموذجاً للتعاون الإقليمي في استغلال احتياطيات الغاز بشرق المتوسط، دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في إنشاء مرافق إسالة جديدة.
مفارقة في سوق الغاز المصري
يحمل المشروع مفارقة لافتة، إذ يأتي في وقت استعادت فيه مصر موقعها كمستورد صافٍ للغاز الطبيعي، بعد تراجع إنتاج حقل ظهر وارتفاع الطلب المحلي.
ورغم ذلك، تواصل القاهرة الاستثمار في دورها كمركز لتجارة الغاز، مستفيدة من امتلاكها البنية التحتية اللازمة لإسالة الغاز وإعادة تصديره، حتى وإن كان جزء من هذا الغاز يأتي من دول مجاورة مثل قبرص.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا النموذج يعكس تحولاً في مفهوم تجارة الغاز، حيث أصبحت البنية التحتية وموقع الدولة الجغرافي لا يقلان أهمية عن حجم إنتاجها المحلي.
دعم لأمن الطاقة الأوروبي
يكتسب المشروع أهمية إضافية بالنسبة لأوروبا، التي تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات في ظل التوترات الجيوسياسية التي شهدتها أسواق الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
وترى شركتا إيني وتوتال إنرجيز أن إنشاء مسار جديد لتصدير الغاز من شرق البحر المتوسط سيمنح الأسواق الأوروبية مصدراً إضافياً للإمدادات، ويقلل من مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الموردين.
بداية لمشروعات أكبر
لا يُنظر إلى حقل كرونوس باعتباره مشروعاً منفرداً، بل بوصفه الخطوة الأولى ضمن خطة أوسع لاستغلال احتياطيات الكتلة السادسة قبالة السواحل القبرصية.
وأشارت الشركتان إلى إمكانية تطوير اكتشافات أخرى في المنطقة، من بينها حقل زيوس الذي أُعلن عنه عام 2022، ما قد يزيد من كميات الغاز المنقولة إلى مصر خلال السنوات المقبلة.
ويرى مراقبون أن نجاح مشروع كرونوس قد يفتح الباب أمام إنشاء شبكة إقليمية لنقل الغاز في شرق المتوسط، تعتمد على التعاون بين الدول المنتجة والبنية التحتية المصرية، بما يعزز موقع المنطقة كمصدر مهم لإمدادات الغاز إلى أوروبا خلال العقد المقبل.






